أسامة أبو أرشيد
كاتب وباحث فلسطيني
قدّر لي أن أحضر اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك في عاصمة عربية. ذهبت لصلاة العيد وحضرت خطبتها. تحدث الخطيب في حكم ذبح الأضحية وذوقيات العيد وأخلاقه ومعانيه الروحانية، إلا أنه لم يأت على ذكر أيٍّ من جراحات الأمة الإسلامية والتحدّيات الوجودية التي تواجهها، ولم يخص أيًّا من شعوبها المنكوبة بدعاء أو تنويه. عدتُ إلى الفندق، واستمعت على "يوتوب" إلى خطبة يوم عرفة في مسجد نمرة التي ألقاها قبل ذلك بيوم (الثلاثاء) الشيخ علي بن عبد الرحمن بن علي الحذيفي. كانت جافة متماوتة، لا تليق برمزية مناسبتها، كما أنها خلت من تقدير هيبة مكانها عند مشعر عرفات، وفوتت فرصة حضور أكثر من مليون ونصف المليون حاج مسلم من كل أصقاع الأرض. اللافت أن قطاع غزّة ولبنان كانا يدكَّان إسرائيليًا يومي عرفة والنحر (يوم عيد الأضحى)، وكان الناس فيهما يشعيّون شهداءهم بفعل المجازر الإسرائيلية. ذلك غيضٌ من فيض، إذ إن العدوان الوحشي الإسرائيلي مستمر منذ أكثر من عامين ونصف العام، وامتد ليشمل أيضًا سورية والعراق واليمن وقطر وإيران. حتى الخليج العربي نفسه، فإنه واقع بين فكّي الكماشة الأميركية والإيرانية، دع عنك جراحات نازفة في جسد الأمة، من كشمير إلى ميانمار، ومن تركمستان إلى الصومال. هذا عدا عن واقع الأمة المزري، ورزوح كثير من شعوبها تحت براثن التخلف والفساد والقمع الداخلي. لكن، أيًّا من هذا كله لم يجد صدى لدى خطيب عرفات تحديدًا، وكثيرين من خطباء العيد في الدول العربية والإسلامية.
إسلاميًّا، يعدُّ يوما التاسع (عرفة) والعاشر (النحر) من شهر ذي الحجة الحرام أفضل الأيام في الإسلام. ليس هذا مجال نقاش الجوانب الشرعية والفقهية لهما. ما يهمنا هنا أنهما شهدا خطبتين هامتين وخالدتين للرسول الأكرم محمد عليه الصلاة والسلام في العام العاشر للهجرة (632 ميلادي). تعرف الأولى بـ"خطبة الوداع"، وألقاها الرسول عليه السلام في يوم عرفة من موضع مسجد نمرة اليوم، وعاد وكرّر كثيرًا من معانيها في اليوم التالي. في الخطبتين، بدأ الرسول بتعزيز ناظم العلاقة بين المسلمين وإطارها. "أي شهر هذا؟ فسكتوا، فقال: هذا شهر حرام. أيُّ بلد هذا؟ فسكتوا، فقال: بلد حرام. أي يوم هذا؟ فسكتوا، فقال: يوم حرام. ثمَّ قال: إن الله تعالى قد حرم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا (مكة)، في يومكم هذا إلى أن تلقوا ربكم. ألا هل بلغت؟ قالوا نعم. قال: اللهم اشهد". وفي موضوع آخر من خطبتيه، يقول عليه السلام: "أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به. إن المسلم أخو المسلم، إنما المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا بطيب نفس منه... لا تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض.. ألا هل بلغت؟ قال الناس: نعم. قال: اللهم اشهد" (رواه البخاري ومسلم).
تُرى، أين كانت هذه المعاني من خطبة الشيخ الحذيفي وهو يقف في موقف الرسول الأكرم عليه السلام؟ المفارقة أن الرجل لم يغفلها فحسب، بل إنه تعمد مناقضتها حين شدد في خطبته على أن "الحجَّ فريضة خالصة لله، لا مجال فيها للشعارات السياسية أو النداءات الحزبية، وتقوم على الخضوع لله واتباع سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم". الرسول لم يؤد فريضة الحج إلا مرَّة واحدة، وهو لم يعش بعد خطبتي الوداع والنحر فيها سوى أقل من ثلاثة أشهر، بمعنى أنه ترك أمته مع هاتين الوصيتين الخالدتين، ولذلك حرص غير مرَّة على التشديد "فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع". ونحن قد بُلِغْنا، والرسول في خطبتيه أشهد ربَّ العزة جلَّ وعلا على هذا، فهل يا ترى وصل إلى الحذيفي وغيره من خطباء الأمة البلاغ، أم أنهم لا يدخلون في نطاق المُبَلَّغِ الأوعى من سامع؟ ثمَّ، أنّى للحذيفي، وهو يقف في موقف وقفه الرسول الأعظم من قبله، أن يحضنا على اتباع سنته ثمَّ هو يخالفها؟ أليس خطبتا الرسول في عرفة ويوم النحر ينطبق عليهما، ضمنًا، وصفه "الشعارات السياسات أو النداءات الحزبية"؟
للأسف، لقد حوّل كثيرون ممن يصفون أنفسهم علماء دين الإسلام إلى دين كهنوتي، شعائريٍّ، طقوسي. الأدهى، أنهم كَبْسَلوهُ (وضعوه في كبسولات) كأفيون لتخدير الناس وإرغامهم على القبول به قَدَرًا مفروضًا على بؤسهم واستعبادهم وسحقهم ونزع إنسانيتهم وتجريدهم من كرامتهم. كذب من تعامل مع الإسلام أنه أفيون ومخدر. وكذب من زعم أن اتباع الله وسنة نبيه تعني التغافل عن معاناة الناس وآلامهم. وصدق الله الذي جعل هذه أمة واحدة، وصدق رسول الله الذي وصفها بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. نعم، نحن العرب والمسلمين بحاجة إلى فيضانات من الحريَّة والكرامة والعدل، غير أن أحد شروط تحقق ذلك، هو تحرير الدين من طبقة الإكليروس واعتذاري الطغيان. وكل عام ونحن نرجو أن تكون أمتنا بخير.

