بمناسبة اقتراب شهر رمضان المبارك، يطرح د. توفيق علي مراد زبادي تصورًا عمليًا لكيفية استقبال الشهر والاستفادة منه، عبر «10 مفاتيح» يراها ضرورية لحسن الاستقبال وتمام الانتفاع. يبدأ حديثه بالتطهّر وإصلاح القلوب وقطع الخصومات، ويمرّ بتشويق النفس للطاعة والتعرّض لنفحات الله والترويض قبل الفرائض. ويصل إلى التنويع في التطوع والتأنّس بالله وتدبّر القرآن، باعتبار التقوى هي الغاية العظمى من الصيام وأصل الاستقامة.

 

تطهير القلب وبناء الشوق والتعرّض للنفحات



يبدأ الكاتب بمفتاح التطهّر، ويعرّفه كتكلّف الطهارة بمعناها الواسع، لا بوصفها طهارة جسد فقط. التطهّر هنا يتضمن تزكية النفس وتنقية القلب من الرذائل. يقدمه كوسيلة وكغاية في وقت واحد. الوسيلة تعني تهيئة القلب لاستقبال نفحات الرحمة كما يهيّئ المزارع أرضه قبل الغيث ليحسن الإنبات. والغاية تعني أن الصيام ذاته يزكّي النفس ويطهّرها من الأخلاق الرديئة، فيتحول الاستقبال إلى مسار ممتد داخل الشهر.



ويتوقف عند أصل عملي داخل هذا المفتاح: إصلاح القلوب وقطع الخصومات. هنا يستشهد الكاتب بحديث يختصر منطق الأولويات: «أنظروا هذين حتى يصطلحا». الاستدعاء لا يأتي كزينة بل كقاعدة سلوكية. معنى ذلك أن بوابة رمضان لا تبدأ من كثرة الأعمال فقط، بل من تصفية العلاقة مع الناس، لأن الخصومة تُثقل القلب وتضعف قابلية الانتفاع، بحسب البناء الداخلي للنص.



بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى مفتاح التشوّق. التشوّق عنده هو تكلّف الشوق، وهو نزوع النفس ولهفتها إلى المحبوب. يقرر أن الشوق لا يعرفه إلا من كابده ولا يدرك لذته إلا من ذاقه، ثم يربطه بسلوك المؤمن تجاه مواسم العبادة. هنا تصبح الرغبة نفسها عبادة تمهيدية، لأن المسلم يتطلع إلى القيام والصيام كما يتطلع إلى فرصة لا يريد أن تفوته.



ولتعميق هذا المعنى، يورد مثالين من الوحي والسيرة. الأول قول موسى عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}. الاستشهاد يضع الشوق في صيغة اندفاع نحو رضى الله لا نحو عادة موسمية. والثاني قول النبي ﷺ: «أتاكم رمضان شهر مبارك». الكاتب يقرأ العبارة كوسيلة لتشويق الأمة، أي صناعة استعداد نفسي قبل دخول الشهر، لا انتظار أن يتحرك القلب من تلقاء نفسه.



ثم يأتي مفتاح التعرّض لنفحات الله. يقرر الكاتب أن لله في أيام الدهر نفحات من رحمته، وأن السعيد من تعرّض لها. طريقة التعرض محددة في النص: تزكية القلب، كثرة الدعاء، دوام الذكر في كل حال؛ قيامًا وقعودًا، وفي شؤون الدنيا. الفكرة أن العابد لا يدري متى يُفتح له باب المنن، لذلك لا يربط القرب بوقت واحد أو شكل واحد، بل يجعل الذكر والدعاء نمط حياة. ويستشهد بحديث النبي ﷺ: «إن لربكم في أيام الدهر نفحات فتعرّضوا لها»، ليحوّل المعنى إلى توجيه مباشر لا توصية عامة.



ترويض النفس قبل الفرض واختيار الصحبة وإعادة تشكيل السلوك



ينتقل الكاتب إلى مفتاح الترويض. الترويض هنا هو تليين النفس وتهيئتها بالطاعات قبل الدخول في الفرائض العظيمة. المعنى المقصود أن العبادة الثقيلة إذا جاءت بغتة قد تُنتج نفورًا أو تراجعًا سريعًا، بينما التدرج يخلق ألفة واستقرارًا. الكاتب يعطي مثالًا عمليًا واضحًا: الإكثار من السنن والنوافل قبل رمضان، كما كان النبي ﷺ يكثر من صيام شعبان. في هذه النقطة لا يقدّم النص موعظة، بل يقدّم آلية: تدريب مبكر يخفف ثقل العبادة ويمنع “الصدمة”.



بعد الترويض يأتي مفتاح التخيّر، ويقصد به اختيار الصحبة الصالحة عالية الهمة. السبب ليس اجتماعيًا فقط، بل تعبديًا: الصحبة تعين على الطاعة، ترفع الهمة، تدفع إلى المعالي. يستشهد الكاتب بالآية: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم}. الآية تُستخدم هنا كمعيار للاصطفاف: الصبر مع أهل الذكر ليس خيارًا جانبيًا، بل جزء من بناء الثبات.



ويعزز الكاتب فكرة الصحبة ببيت المعنى المتداول: “إخوان صدق إن دعوتهم عونوا”. الرسالة أن الهمة لا تُصنع في الفراغ. البيئة إما ترفع الاستعداد أو تستهلكه. من هذا المنطلق يصبح “التخيّر” قرارًا تأسيسيًا قبل دخول رمضان، لأن الشهر قصير ومنافسات النفس كثيرة، والصحبة السيئة قد تهدر ما بُني قبل الشهر في أيام.



ثم يقدّم مفتاح التخلّي والتحلّي. التخلّي هو ترك الرذائل، والتحلّي هو لبس الفضائل. الكاتب يحسم الفكرة بجملة معيارية: المقصود من رمضان ليس ترك الطعام فقط، بل ترك الذنوب وتهذيب الأخلاق. هنا يضع النص الأخلاق في صدارة معنى الصيام، لا كتحسين إضافي. ويستدعي معنى الخسارة لمن أدرك رمضان ولم يُغفر له، كما ورد في دعاء جبريل عليه السلام، وأمّن عليه النبي ﷺ. الاستدعاء يرفع مستوى الإنذار: الفشل في رمضان ليس نقصًا في النشاط فقط، بل خسارة فرصة مغفرة مؤكدة التذكير في النص.



تذوق العبادة وتنويع التطوع والأنس والتدبر وصولًا للتقوى

 

يأتي مفتاح التذوّق ليضبط الفرق بين أداء العبادة وحياة العبادة. الكاتب يوضح أن المطلوب تذوق حلاوة الطاعة لا مجرد إنجازها. يقرر أن للإيمان طعمًا وأن للعبادة لذة. ثم يستشهد بحديث النبي ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا». هذا الحديث يوظَّف كمعيار حسّي ومعنوي معًا: الرضا يخلق طعمًا، والطعم ينعكس في انشراح الصدر للطاعة والصبر على مشقتها.



ويضيف الكاتب شهادة سلوكية منسوبة لبعض السلف: “كابدت الصلاة 20 سنة ثم تلذذت بها باقي عمري”. الرقم هنا يُظهر أن التذوق ليس لحظة عابرة، بل نتيجة مجاهدة طويلة. المعنى العملي أن من لا يشعر بلذة فورية لا ينسحب، لأن اللذة قد تأتي بعد الاستمرار، وهو ما يخدم فكرة الترويض السابقة ويكملها.



بعد ذلك يطرح مفتاح التنويع. المقصود تنويع أبواب التطوع حتى لا تمل النفس، ولكي يُفتح للعبد أكثر من باب من أبواب الخير. الكاتب يشير إلى أن النبي ﷺ أخبر أن أهل الأعمال يُدعون من أبوابها، وأن من فُتح له باب خير فليبادر إليه، لأنه قد لا يُفتح له مرة أخرى. هنا تتحول “خطة رمضان” من جدول واحد ثابت إلى مسارات متعددة، وهو ما يقلل الملل ويزيد فرص الاستمرار.



ثم يأتي مفتاح التأنّس بالله، بوصفه روح القرب وسكون القلب إلى الله وذهاب الوحشة عنه. الكاتب يدعم المعنى بالآية: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ}. الآية تضع الأنس في سياق الدعاء والقرب، لا في سياق المشاعر المجردة. ويحدد الكاتب ثمرة الأنس: طمأنينة، رضا، يقين. هذه ليست نتائج إنشائية في النص، بل نتائج مرتبطة بالطاعة والمحبة كما يقرر الكاتب.



ويختم بالمفتاح العاشر: التدبّر. التدبّر عنده هو التأمل في القرآن وفهم معانيه والوقوف مع أوامره ونواهيه وتمثلها في الواقع. يضع الكاتب معيارًا سلوكيًا للصالحين: لا يمرون بالآيات مرورًا عابرًا، بل يقفون عندها ويدعون بها. ويذكر مثالًا من سيرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الوقوف مع الآيات والدعاء بها، بوصفه ممارسة عملية لا شعارًا.



وأخيرا يربط الكاتب المفاتيح العشرة بغاية واحدة: التقوى. يصفها بأنها الغاية العظمى من الصيام، وزاد القلوب، وأصل الاستقامة. ويقرر أن تحقق هذه المفاتيح يجعل رمضان نقطة تحول حقيقية في حياة المسلم لا مجرد أيام معدودة تمضي. الخيط الجامع في البناء كله هو تحويل الاستقبال من حالة عاطفية إلى برنامج ضبط داخلي: قلب يُطهَّر، نفس تُروَّض، صحبة تُختار، عمل يُنوَّع، قرآن يُتدبّر، وقرب يُطلب حتى تتشكل التقوى كأثر مستمر بعد انتهاء الشهر.