يضع سماحة الشيخ يوسف القرضاوي ملف الحامل والمرضع في رمضان داخل إطار واضح: المرأة تشارك الرجل في عامة أحكام الصيام، لكنها تختص بأحوال لا يمر بها الرجل، مثل الحيض والنفاس، اللذين يوجبان الفطر ويحرم معه الصوم. ثم يوسع الدائرة إلى الحمل والرضاعة، بما فيهما من مشقة وخوف مشروع على النفس أو الجنين أو الرضيع. الهدف عنده ليس تعقيد الحكم، بل ضبطه على قاعدة التيسير ورفع الحرج، مع بيان مواضع الإجماع والخلاف وترجيح ما يراه أقرب للرحمة.

 

أحوال المرأة التي تمنع الصوم أو تبيح الفطر

 

يقرر القرضاوي أن للمرأة أحكامًا خاصة بسبب أوضاع طبيعية كتبها الله على بنات آدم. الحيض والنفاس يمنعان الصوم ويبيحان الفطر، باعتبارهما عذرين شرعيين قائمين بذاتهما. ثم ينتقل إلى الحمل بوصفه حالة مشقة ممتدة لا تُختزل في أيام، ويستحضر وصف القرآن لمعنى الكُره والوهن: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} (الأحقاف:15)، و{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} (لقمان:14). الدلالة عنده عملية، لأن الوحم والغثيان والثقل والألم قد يجعل الصوم عبئًا زائدًا.

 

وبعد الولادة، يضع القرضاوي الرضاعة والفصال ضمن دورة المشقة نفسها، وقد تطول إلى عامين. ويستدل بالنص القرآني: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} (لقمان:14)، وبالآية التي تحدد الإتمام: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة:233). ثم يضع معيار الخوف: الحامل قد تخاف على نفسها من مشقة الصوم، وقد تخاف على حملها لأنه جزء منها غذاؤه منها وبقاؤه بها، وقد تخاف عليهما معًا، وكذلك المرضع قد تخاف على نفسها أو رضيعها أو الاثنين.

 

أصل الحكم: إجماع على الفطر وخلاف في ما يلزم بعده

 

يقرر القرضاوي نقطة حاسمة: الفقهاء أجمعوا على أن من حق الحامل والمرضع أن تفطرا عند الحاجة. ويسند ذلك إلى الحديث: “إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم” (رواه النسائي وابن ماجه). بعد هذا الإجماع يبدأ محل النزاع: ماذا يلزم بعد الفطر؟ هل تقضيان كالمريض؟ أم تطعمان كالكبير الذي لا يطيق الصوم؟ أم يجمع بعضهم بين القضاء والفدية؟ وهل يختلف الحكم إذا كان الخوف على النفس أو على الولد؟

 

يعرض القرضاوي الاحتمالات كما تداولها الفقهاء، ثم يذكر أن “معظم الفقهاء” أخذوا بالاحتمال الأول: تفطران وتقضيان، على قياس المريض. ثم يذكر مذهبًا آخر منسوبًا إلى الصحابيين عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وإلى سعيد بن جبير وغيره من التابعين، وهو أن عليهما الفدية بالإطعام ولا قضاء عليهما. وفي هذا السياق يورد روايات تفصيلية: روى عبد الرزاق في “المصنف” أن ابن عمر سُئل عن حامل أتاها رمضان فقال: تفطر وتطعم عن كل يوم مسكينًا. وروي عن ابن عباس أنه كان يأمر وليدة له حبلى أن تفطر، وقال: “أنت بمنزلة الكبير لا يطيق الصيام… وأطعمي عن كل يوم نصف صاع من حنطة”.

 

ويضيف القرضاوي أثر سعيد بن جبير: تفطر الحامل التي في شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها، وتطعم كل واحدة كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليهما. ثم يذكر ورود ذلك عن القاسم بن محمد وقتادة وإبراهيم. ويستكمل عرض الخلاف بنص آخر: روى عبد الرزاق عن بعض السلف أن على الحامل والمرضع القضاء ولا تطعمان، ويشير إلى موضعه: (المصنف لعبد الرزاق 4/216-219). وينقل عن ابن كثير كثرة الخلاف: منهم من قال تفطران وتفديان وتقضيان، وقيل تفديان فقط بلا قضاء، وقيل يجب القضاء بلا فدية، وقيل تفطران ولا فدية ولا قضاء، مع إحالة: (تفسير ابن كثير 1/215).

 

الترجيح: التيسير مع من يتوالى عليها الحمل والرضاع.. وواجب الفطر عند خوف موت الجنين

 

يرجح القرضاوي الأخذ بمذهب ابن عمر وابن عباس في حالة مخصوصة: المرأة التي يتوالى عليها الحمل والإرضاع، فتدخل رمضان وهي إما حامل أو مرضع على نحو متكرر، وهو ما كان شائعًا في أزمنة ماضية. في هذه الصورة يرى أن الرحمة تقتضي ألا تُكلَّف قضاءً يتراكم عليها لسنوات، وتكتفي بالفدية، وفي ذلك أيضًا نفع للمساكين وأهل الحاجة. لكنه لا يعمم الترجيح على كل النساء. بل يفرق بين من تتوالى عليها الأحوال ومن تتباعد فترات حملها.

 

في المقابل، إذا كانت فترات الحمل متباعدة كما هو الشأن في “معظم نساء زمننا” خصوصًا في المدن، وقد لا تعاني المرأة الحمل والإرضاع إلا مرتين أو ثلاثًا، فالأرجح عنده أن تقضي كما رأي الجمهور. ويضع قاعدة جامعة: الحكم مبني على التخفيف ورفع المشقة الزائدة، فإذا لم توجد المشقة ارتفع الحكم معها، لأن “الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا”. بهذا يربط الترجيح بواقع المرأة لا بمجرد الوصف العام للحمل والرضاع.

 

ويخصص القرضاوي مسألة حادة: هل يصح للحامل أن تفطر إذا خافت على جنينها أن يموت؟ جوابه مباشر: نعم لها أن تفطر، بل إذا تأكد هذا الخوف أو قرره “طبيب مسلم ثقة في طبه ودينه” وجب عليها الفطر حتى لا يموت الطفل. ثم يسند هذا الوجوب إلى نص قرآني: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم} (الأنعام:151، والإسراء:31). ويقرر أن هذه نفس محترمة لا يجوز التفريط فيها، وأن الله لم يعنت عباده، ويستحضر أيضًا فهم ابن عباس لآية الفدية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة:184) باعتبارها داخلة في شأن الحامل والمرضع.

 

ثم يميز القرضاوي بين نوعي الخوف. إذا كانت الحامل والمرضع تخافان على أنفسهما، فأكثر العلماء على الفطر مع القضاء فقط، وهما بمنزلة المريض. أما إذا كان الخوف على الجنين أو الولد، فبعد اتفاقهم على جواز الفطر، اختلفوا فيما يلزم: ابن عمر وابن عباس يجيزان الإطعام، وأكثر العلماء على القضاء، وبعضهم جمع بين القضاء والإطعام. ويعود القرضاوي لترجيح الإطعام وحده دون القضاء في حالة التوالي الشديد للحمل والرضاع، لأن إلزامها بالقضاء بعد ذلك يعني صوم “عدة سنوات متصلة”، وفي هذا عسر، والله لا يريد بعباده العسر.

............................................................................

المصدر الذي يستند إليه هذا العرض والترجيح هو كتاب “فقه الصيام” لسماحة الشيخ يوسف القرضاوي