حذرت تقارير طبية ورقابية في مصر من تمدد مراكز التخسيس والتجميل الوهمية داخل شقق سكنية وصالونات ومراكز غير مرخصة، بعد ضبط كيانات تستخدم حقن مجهولة المصدر وأجهزة ليزر غير مرخصة وتقدم إجراءات طبية بلا أطباء، ما حول طلب الجمال والرشاقة إلى خطر صحي مباشر.
وتكشف هذه الظاهرة فشلا حكوميا في إغلاق سوق مفتوح للنصب الطبي، لأن المواطن لا يواجه إعلانًا كاذبًا فقط، بل يواجه منظومة تعمل خارج الترخيص وتستغل منصات التواصل الاجتماعي وتبيع وعودا سريعة لجمهور أنهكته الضغوط النفسية والاجتماعية، ثم تترك الضحايا بين الحروق والتشوهات والعدوى والمضاعفات الخطيرة.
إعلانات الرشاقة السريعة تصطاد الضحايا
بدأت الأزمة من الإعلانات المنتشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تروّج لفقدان 5 إلى 10 كيلوجرامات أسبوعيا أو الحصول على وجه مختلف خلال جلسة واحدة، وهي وعود غير علمية تتحول إلى بوابة جذب لمواطنين يبحثون عن حل سريع دون معرفة هوية المركز أو مؤهلات العاملين داخله.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور حسام عبد الغفار المتحدث باسم وزارة الصحة من الانسياق وراء إعلانات التخسيس غير المرخصة، وأكد أن المعدل الصحي لإنقاص الوزن لا يتجاوز نصف كيلوجرام إلى كيلوجرام واحد أسبوعيا، ما يجعل الوعود السريعة مؤشرا واضحا على التضليل والخطر الطبي.
ثم تتسع المشكلة عندما تتحول الصالونات والمراكز التجارية إلى أماكن تمارس حقن الفيلر والبوتوكس وجلسات الليزر وبرامج التخسيس العلاجية، لأن هذه الإجراءات ليست خدمات تجميل عادية، بل تدخلات طبية تحتاج إلى تشخيص وموافقة مستنيرة وتعقيم ومتابعة للطوارئ عند حدوث حساسية أو نزيف أو حرق.
وبذلك لا تعود القضية مجرد مخالفة إدارية يمكن إنهاؤها بمحضر وغلق مؤقت، فالإعلان المضلل يصنع قرارا طبيا لدى شخص غير مؤهل، والمركز غير المرخص يأخذ المال قبل التأكد من سلامة الحالة، والحكومة لا تتحرك غالبا إلا بعد شكوى أو فضيحة أو ضحية جديدة.
مراكز بلا أطباء وأجهزة خارج السيطرة
قال الدكتور أسامة عبد الحي نقيب الأطباء إن مراكز تجميل تعمل دون إشراف طبي ويقودها أشخاص غير مؤهلين، وأوضح أن هذه الكيانات تقدم خدمات صحية غير آمنة وتمثل تهديدا مباشرا لصحة المواطنين، وهو توصيف يكشف أن الخطر يتعلق بانتحال صفة الطبيب لا بضعف الخدمة فقط.
كما أعلنت وزارة الصحة إغلاق نحو 300 مركز تخسيس غير مرخص خلال عام واحد، مع وجود نحو 2800 مركز مرخص ومعتمد يخضع للرقابة الدورية، وهو رقم يوضح حجم السوق ويكشف في الوقت نفسه أن نشاطا واسعا يتحرك بين المرخص وغير المرخص والمخالف للاشتراطات.
وتظهر الوقائع التي أعلنتها جهات صحية خلال الفترة الأخيرة أن بعض المراكز أديرت بواسطة أشخاص لا يحملون أي مؤهل طبي، وأن حملات التفتيش ضبطت أدوية وحقنا مجهولة المصدر وأجهزة ليزر غير مرخصة، إضافة إلى منشآت تعمل دون ترخيص أو دون طبيب مختص داخل المكان.
ومن هنا يخدم رأي الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الحق في الصحة، محور الرقابة الطبية بوضوح، إذ يؤكد أن حقن الفيلر والبوتوكس إجراء اقتحامي للجلد يحتمل العدوى، وأن الليزر يجب أن يستخدمه طبيب جلدية أو تجميل مؤهل داخل منشأة مرخصة وتحت ضوابط واضحة.
أدوية مجهولة المصدر وعدوى وتشوهات
تتضاعف خطورة مراكز التخسيس الوهمية بسبب بيع مكملات وحقن وأقراص مجهولة المصدر باعتبارها مستوردة أو مضمونة، بينما حذرت هيئة الدواء المصرية من مستحضرات غير مسجلة يتم الترويج لها لإنقاص الوزن وعلاج السمنة، مؤكدة أن استخدام مواد غير معروفة المكونات قد يسبب أضرارا صحية بالغة.
وتكشف مداهمات العلاج الحر أن الخلل لا يقتصر على الترخيص، لأن بعض المراكز تستخدم أدوات حقن ملوثة أو أجهزة غير معايرة أو مواد غير مسجلة، كما تغيب بروتوكولات مكافحة العدوى والتخلص من النفايات الطبية، ما يفتح الطريق أمام حروق وعدوى بكتيرية وفيروسية ومضاعفات يصعب علاجها.
في هذا المحور، يوضح محمود فؤاد المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء أن الظاهرة اتسعت خلال السنوات الأخيرة بسبب إعلانات التواصل الاجتماعي ووهم التجميل، وأن بعض الكيانات تمنح شهادات تدريب وهمية خلال أسابيع ثم يخرج أصحابها لممارسة إجراءات طبية على وجوه وأجساد الضحايا.
لذلك تتحول مراكز التجميل والتخسيس العشوائية إلى اقتصاد ظل صحي، حيث يدفع المواطن مبالغ كبيرة مقابل مستحضرات غير مضمونة وجلسات بلا طبيب ووعود لا تخضع لأي معيار، بينما تكتفي الدولة غالبا برد الفعل بعد وقوع الضرر بدلا من بناء سجل عام يسبق الكارثة.
الفوضى الرقابية تصنع سوقا موازية للطب
تؤكد الوقائع أن الحكومة تعرف مسار الخطر، فهي تملك إدارات للعلاج الحر وهيئة للدواء وخطا ساخنا وتعلن إغلاقات متكررة، لكنها لم تمنع عودة الظاهرة إلى الواجهة، لأن الرقابة المتقطعة لا تكفي أمام سوق سريع يتحرك بالإعلانات الممولة والحسابات الوهمية والصفحات التي تختفي وتعود بأسماء جديدة.
وبينما تطالب الجهات الرسمية المواطنين بالتأكد من الترخيص قبل التعامل مع أي مركز، يبقى السؤال موجها إلى الحكومة نفسها، لأن المواطن لا يملك أدوات التفتيش ولا صلاحيات الضبط، ولا يستطيع التمييز بين شهادة تدريب مزيفة وترخيص طبي حقيقي وسط بحر من الإعلانات والصور قبل وبعد.
كما أن إنشاء سجل رسمي معلن للمراكز المرخصة لم يعد مطلبا رفاهيا، بل صار ضرورة لحماية المواطنين، فكل مركز يعمل في الظل يجب أن يظهر اسمه وموقعه ومخالفاته، وكل إعلان طبي على منصات التواصل يجب أن يخضع لمراجعة واضحة قبل أن يتحول إلى فخ صحي.
وتبقى الخلاصة أن مراكز التخسيس والتجميل الوهمية لم تنتشر بسبب رغبة الناس في الجمال فقط، بل بسبب فراغ رقابي سمح لمنتحلي الصفة ببيع الوهم داخل شقق وصالونات، وإذا لم تتحول حملات الغلق إلى نظام رقابة يومي وشفاف فسيدفع الضحايا الثمن في أجسادهم لا في جيوبهم فقط.

