طالب النائب سمير البيومي، في مجلس النواب، برفع سعر توريد القمح لموسم 2026 بنسبة لا تقل عن 20% فوق الأسعار الحالية التي تصل إلى 2500 جنيه للأردب، مع صرف فروق الأسعار للمزارعين، بعدما تحولت تكلفة فدان القمح إلى عبء يهدد استمرار الفلاح في زراعة المحصول.

 

وتكشف هذه المطالبة خللا سياسيا واقتصاديا في طريقة الحكومة لإدارة ملف القمح، لأن الدولة التي تعتمد على القمح كركيزة للخبز المدعم لا تستطيع مطالبة المزارع بالتوريد الوطني بينما تتركه أمام الأسمدة والتقاوي والسولار والعمالة دون سعر عادل يضمن ربحا حقيقيا بعد 6 أشهر من الزراعة.

 

الحكومة تسعر القمح بأقل من تكلفة المخاطرة على الفلاح

 

تبدأ الأزمة من الفجوة بين سعر التوريد وتكاليف الإنتاج، حيث يؤكد البيومي أن تكلفة زراعة فدان القمح وصلت إلى ما بين 35 و40 ألف جنيه، وفق طبيعة الأرض بين التمليك والإيجار، وهو رقم يجعل الفلاح في مواجهة حسابات قاسية قبل أن يقرر الزراعة أو التوريد للدولة.

 

ثم يزداد الضغط عندما يتراوح متوسط إنتاج الفدان بين 15 و18 أردبا، لأن عائد الفدان عند متوسط 16 أردبا لا يمنح المزارع سوى هامش محدود بعد إضافة قيمة التبن وخصم المصروفات، وهو هامش لا يناسب موسم زراعة طويل ولا يواكب أسعار المدخلات الزراعية.

 

في المقابل، حددت وزارة التموين أسعار شراء القمح المحلي لموسم 2026 عند 2250 و2300 و2350 جنيها للأردب حسب درجة النظافة، قبل رفع السعر الأعلى إلى 2500 جنيه، لكن هذه الزيادة بقيت أقل من موجة الغلاء التي ضربت السولار والنقل والحصاد والأسمدة والعمالة.

 

لذلك يصبح حديث الحكومة عن تشجيع الفلاحين ناقصا ما دام السعر لا يعترف بكلفة الإيجار ولا بمخاطر المناخ ولا بتغير أسعار المدخلات، لأن الفلاح لا يزرع القمح بالشعارات، بل يدفع نقدا طوال الموسم ثم ينتظر سعرا رسميا قد لا يترك له إلا ربحا هزيلا.

 

بعد ذلك تأتي ملاحظة الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، لتكشف جزءا من الحقيقة التي تتجنبها الحكومة، إذ أقر بأن زيادة السولار بنسبة 30% رفعت تكاليف حصاد القمح ونقله من الحقول إلى الشون ومناطق الاستلام، وهو إقرار مهني بأن السعر لا ينفصل عن الوقود.

 

الأمن الغذائي لا يبدأ من الصوامع بل من جيب المزارع

 

وعلى الأرض، لا يمثل القمح محصولا عاديا في مصر، لأن الدولة تعتمد عليه في رغيف الخبز المدعم وفي تهدئة الأسعار وفي حماية ملايين الأسر من قفزات السوق، ولذلك فإن تجاهل هامش ربح الفلاح يضعف الحلقة الأولى في الأمن الغذائي قبل أن يصل المحصول إلى الصوامع.

 

هنا يظهر الخلل في الخطاب الرسمي الذي يتعامل مع التوريد كمسألة إدارية بين وزارة التموين والمزارعين، بينما تؤكد أرقام الاعتماد على الاستيراد أن كل أردب لا يصل إلى الشون يتحول لاحقا إلى فاتورة دولار وشحن ونقل وتفريغ وضغط جديد على العملة الأجنبية.

 

وبالأرقام، تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إنتاج مصر من القمح في 2025 بلغ نحو 9.5 مليون طن، بينما قدرت احتياجات استيراد القمح في موسم 2025 و2026 بنحو 13 مليون طن، وهو فارق يضع أي تراجع في التوريد المحلي داخل دائرة الخطر الاستراتيجي.

 

غير أن الحكومة تواصل تحميل المزارع عبء الفجوة، لأنها تطلب منه التوسع في زراعة القمح وتوريده للدولة، ثم تترك سعر الأردب أقرب إلى الحد الأدنى من الجدوى، رغم أن المحاصيل البديلة أو استخدام القمح كعلف قد تمنح بعض المزارعين عائدا أسرع أو أقل مخاطرة.

 

وتحت هذا العنوان، يصبح رأي حسين عبد الرحمن أبو صدام، الخبير الزراعي ونقيب الفلاحين، مهما لأنه ربط رفع السعر بتخفيف الأعباء وزيادة التوريد، لكنه أشار أيضا إلى ارتفاع مستلزمات الإنتاج وتكاليف الزراعة، وهي النقطة التي تجعل الزيادة الحالية اعترافا بالمشكلة لا حلا كاملا لها.

 

استيراد القمح يكشف فشل الحكومة في إنصاف المنتج المحلي

 

في الوقت نفسه، تكشف تجربة الموسم السابق أن الحكومة لا تستطيع الركون إلى وعود التوريد، فقد ذكرت رويترز أن مصر استهدفت شراء ما بين 4 و5 ملايين طن من القمح المحلي في موسم 2025، لكنها جمعت أكثر قليلا من 3.9 مليون طن حتى 28 يونيو.

 

بهذا المعنى، لا تبدو مطالبة البيومي بزيادة 20% رفاهية مالية، بل محاولة لإغلاق طريق يتكرر كل عام، حيث تنخفض جاذبية التوريد المحلي ثم تعود الدولة إلى الاستيراد، وتدفع الخزانة العامة والفلاح والمستهلك ثمن سياسة لا تبدأ من حساب الربح العادل للمزارع.

 

ومع ذلك، تعلن الحكومة عن تمويلات خارجية لدعم الأمن الغذائي، بينما يبقى المزارع المحلي في انتظار سعر أكثر عدلا، فقد وقعت مصر في 13 مايو 2026 اتفاق تمويل بقيمة 1.5 مليار دولار مع المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة، منها 700 مليون دولار للسلع التموينية.

 

وفي هذا السياق، قال عبد الغفار السلاموني، نائب رئيس غرفة صناعة الحبوب، إن رفع السعر إلى 2500 جنيه ساعد في زيادة توريد القمح إلى نحو 2.7 مليون طن بزيادة تقارب 400 ألف طن عن الفترة نفسها من العام السابق، وهو اعتراف بأن السعر هو مفتاح التوريد.

 

لذلك تتسع مسؤولية الحكومة من التموين إلى المالية والزراعة والتخطيط، لأن سعر القمح لا يصنعه قرار منفرد في موسم الحصاد، بل تصنعه منظومة مدخلات وأسمدة ووقود وتمويل وإرشاد وتخزين، وكل خلل في هذه المنظومة ينتهي عند فلاح يراجع حساباته قبل زراعة الموسم التالي.

 

في النهاية، تضع أزمة سعر توريد القمح الحكومة أمام اختبار واضح، فإما أن ترفع السعر بما يضمن ربحا عادلا وتصرف الفروق بسرعة وتخفض كلفة المدخلات، وإما أن تترك الأمن الغذائي رهينة لاستيراد أغلى ومزارع محلي يشعر أن الدولة تطلب محصوله ولا تدفع ثمن استمراره.