د. عبد الله سيف

 

لم تعد أروقة محاكم الأسرة، ولا بنود قوانين الأحوال الشخصية، مجرد نصوص تشريعية جافة لتنظيم مكاتبات الزواج والطلاق والنفقة والحضانة؛ بل تحولت في العقود الأخيرة إلى واحدة من أخطر ساحات الصراع الحضاري والفكري في العالم الإسلامي. إنها معركة صامتة تجاوزت حدود القضاء، لتصبح صراعاً علنياً على إعادة تعريف الأسرة، ورسم طبيعة الهوية والمجتمع الذي يُراد بناؤه في المستقبل.

إن هذا التحول المتسارع لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العولمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ولا عن صعود المرجعيات الأممية التي بدأت تتدخل تدريجيًا في الخصوصيات الثقافية للشعوب، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة باسم "سيداو" (CEDAW)، الممتدة جذورها فكرياً إلى مؤتمري السكان بالقاهرة (1994) والمرأة ببكين (1995). واليوم، نرى محاولات حثيثة لترجمة هذه المرجعيات عبر "هندسة قوانين" محلية، يرى فيها الوجدان الديني والمجتمعي نذر خطر تسعى لتفكيك الأسرة وإحلال منظومة صراعية تعوق مشروعات الزواج.

من هنا، نفتح ملف الجدل المحتدم، لنرصد عبر هذا المقال التحليلي أبرز النقاط السلبية ومحاور السجال التي تدور حولها هذه التعديلات من المنظورين الديني والمجتمعي:

1. شتات النفس: صعود الفردية المطلقة وأفول المركزية الأسرية

في الرؤية الكونية للإسلام، ليست الأسرة مجرد ركام من الأفراد جمعتهم الصدفة أو المصالح المادية، بل هي "الخلية الصلبة" والنواة الأساسية لبناء المجتمع، حيث يتوارى النزوع الفردي الأناني أمام جلال استقرار البيوت وصون الفطرة.

في المقابل، تتنفس المرجعيات الدولية من رئة فلسفية حداثية تقدس "الفردانية المطلقة"، وتتعامل مع المرأة والرجل ككائنات مستقلة تماماً تحكمها موازين القوى. هذا التحول المفاهيمي يضرب في العمق معنى "التكامل والتضحية"، ويجعل المصلحة الفردية الخاصة مقدمة على استقرار الكيان الأسري، مما يعجل بانهيار السقف الأسري عند أول بادرة خلاف.

2. من السكينة إلى الساحة: مأسسة الندية وتفكيك القوامة

شيد الإسلام معمار البيت المسلم على أساس التمايز الوظيفي الفطري؛ فللرجل مسؤولية البذل والنفقة والرعاية والحماية (القوامة والولاية التي تقتضي الخدمة والمسؤولية لا الاستعلاء)، وللمرأة جلال الأمومة وحفظ الغيب والتدبير وصناعة الوعي.

بيد أن المنظور الأممي الوافد يُصِرُّ على "الإلغاء القسري لكل فارق جندري"، واصماً أي تمايز في الأدوار بأنه شكل من أشكال "الهيمنة والطبقية الذكورية" التي تقتضي التقويض القانوني. وتحت لافتة هذه المساواة الآلية، تحولت العلاقة الزوجية في المسودات القانونية المتأثرة بها من "ميثاق مودة وسكن" إلى "عقد صراع وندية بارد"، تتحاسب فيه الأرواح بلغة المحاكم، مما أطفأ جذوة الرحمة والفضل بين الزوجين.

3. الزواج كمخاطرة جنائية: تعويق الإقبال وإفراغ المعنى

بينما يدعو الإسلام إلى تيسير سبل الارتباط وتقليل الكُلف المادية والإجرائية لحماية الشباب وحفظ عفة المجتمع، نجد أن رياح "الهندسة القانونية" المعاصرة أقحمت "الترس الجنائي والتخويفي" في العلاقات الأسرية؛ فامتُلأت مشروعات القوانين بـ "ملحقات الشروط المادية الملزمة" ذات الصبغة التنفيذية الصارمة، وتوسعت دوائر تجريم السلوكيات الاجتماعية للرجل بالحبس والغرامة عند الإخلال بإجراءات توثيقية معينة.

والأثر المجتمعي لهذا التشدد جاء عكسياً؛ إذ انقلبت صورة الزواج في وعي الشباب من "مرفأ أمان وبناء حياة" إلى "مخاطرة قضائية ومادية مرعبة" قد تودي بصاحبها إلى دهاليز السجون أو رصيف الإفلاس. ونتيجة لهذا التخويف المنظم، فضّل قطاع عريض من الشباب "العزوبية الاختيارية"، مما بات يهدد النمو الديموغرافي الطبيعي للمجتمع.

4. شروخ الميثاق الغليظ: مأزق "قوننة" الفراق بالكامل

عظّم التشريع الإسلامي عقد النكاح فسماه "ميثاقاً غليظاً"، وجعل انفصامه بالطلاق مخرجاً استثنائياً تملكه الإرادة بضوابط شرعية تضمن وقوعه ديانةً وقضاءً.

أما التيارات الحقوقية المنبثقة من فلسفة "سيداو"، فتضغط نحو سحب حق الفراق بالكامل وجعله حكراً على القضاء المدني، مع إسقاط أي اعتبار للطلاق الشفهي المستجمع لأركانه الشرعية المعتقدة. وهذا النزوع يخلق معضلة دينية ونفسية حادة؛ إذ يُوجد هوة سحيقة بين "الواقع الديني" الذي يرى المرأة بائناً محرماً على زوجها أمام الله، وبين "الوضع القانوني" الذي يُلزمها بالبقاء زوجة مدنية، مما يفتح أبواباً للريبة والاضطراب المعرفي حول الفروج والأنساب.

5. السيولة الأخلاقية: تفكيك المحرمات وتكريس النماذج البديلة

تقوم المنظومة التشريعية في المجتمع المسلم على حراسة الفضيلة وحصر العلاقات الجنسية والشرعية في إطار "الزواج الحلال" بين رجل وامرأة.

لكن المتمعن في مواثيق (القاهرة وبكين وسيداو) يلحظ سعياً حثيثاً لفرض مفاهيم مشحونة بـ "السيولة الأخلاقية"، مثل شرعنة "الصحة الجنسية والإنجابية للمراهقين" دون قيد الارتباط، والمطالبة برفع العقوبات عن العلاقات الرضائية خارج إطار الزواج، وصولاً إلى محاولات إلزام الدول بالاعتراف بـ "الأنماط البديلة للأسرة" (وهي التسمية الملمعة لتقنين العلاقات المثلية). وهو ما يراه الوجدان الإسلامي طعنة موجّهة لخاصرة الفطرة البشرية السوية لتدمير المظلة الأخلاقية للمجتمع.

6. استيراد الأزمة: استنساخ النموذج المأزوم

لعل أكبر مفارقات هذا الجدل الثقافي هي تلك الرغبة العارمة لدى النخب التغريبية في استنساخ القوانين الغربية وحقنها في شرايين الأسرة المسلمة، في ذات الوقت الذي يئن فيه الغرب نفسه تحت وطأة انهيار هذا النموذج بشهادة فلاسفته وعلماء الاجتماع فيه؛ حيث تخطت نسب الطلاق هناك حاجز الـ 50%، وتفشت أوبئة العزلة الكئيبة، وشاخت دول كاملة بسبب العزوف عن الإنجاب. إن محاولة فرض هذه القوانين على العالم الإسلامي ليست -في نظر النُّقاد-إلا استيراداً متعمداً لأزمة وجودية وخراب اجتماعي لبيئة لا تملك المصدات الثقافية للتعامل معه.

وختاما : فان السجال الدائر اليوم حول قوانين الأحوال الشخصية لا ينبثق عن خصومة مع حقوق المرأة أو ممانعة لرفع الظلم الإجرائي عنها؛ فالشريعة الإسلامية كانت ولا تزال ناصرة للمستضعفين وهادمة لأعراف الجاهلية الفاسدة المعيبة.

وإنما يدور رحى هذا الصراع حول "فلسفة الوجود الإنساني"؛ فإما مجتمع يؤمن بالأسرة محضناً للسكينة والتربية وبناء الأجيال، وإما مجتمع يرتضي ترحيل الشريعة ليعيش في ظل منظومة عولمية تحيل البيوت إلى مقاطعات قانونية باردة تتنازعها الأنانية وتتحكم فيها المصالح المؤقتة. وتبقى حماية الأسرة المسلمة، المستمسكة بعقدها الشرعي العتيق، هي المعركة المصيرية لحفظ هوية هذه الأمة واستمرار وجودها الحضاري.