أعلنت شركات الاتصالات في مصر، خلال الأشهر الأخيرة، زيادات متتالية على أسعار الإنترنت الأرضي بالتزامن مع تصاعد شكاوى المستخدمين من ضعف الخدمة وسرعة نفاد الباقات، بينما واصل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إصدار بيانات تتحدث عن نسب استجابة وتحسن متوسط السرعات دون معالجة أصل الأزمة.

 

وفي المقابل، اتسعت حالة الغضب بين المواطنين مع تحول الإنترنت من خدمة أساسية إلى عبء شهري مفتوح الكلفة، خاصة بعدما ربطت الدولة أغلب الخدمات اليومية بالتطبيقات والمنصات الرقمية، ثم تركت المستخدم أمام أسعار أعلى وشركات تتحكم في الاستهلاك بلا رقابة فعالة أو مساءلة واضحة.

 

الإنترنت يتحول إلى جباية شهرية مفتوحة

 

بعد ذلك، فرضت زيادات الأسعار واقعًا جديدًا على الأسر المصرية، إذ قفزت تكلفة الباقات الأساسية خلال أقل من عام إلى مستويات تستهلك جزءًا متزايدًا من دخل الأسر، بينما بقيت السرعات الفعلية والاستقرار الفني محل شكاوى مستمرة داخل المدن والأقاليم.

 

لذلك، لم يعد المواطن ينظر إلى الإنترنت باعتباره خدمة ترفيهية، بل وسيلة ضرورية للعمل والتعليم والتواصل وإنجاز المعاملات الحكومية. ومع كل زيادة جديدة، تتسع الفجوة بين الدخل الحقيقي وكلفة البقاء متصلًا بالشبكة ولو بالحد الأدنى المطلوب يوميًا.

 

وفي هذا السياق، يخدم الخبير الاقتصادي وائل النحاس هذا المحور عبر حديثه المتكرر عن توسع الدولة في تحصيل الرسوم والضرائب غير المباشرة من الخدمات الأساسية. فالمستخدم يدفع أكثر كل شهر، بينما لا يحصل على ضمانات حقيقية تتعلق بالجودة أو الاستقرار أو عدالة التسعير.

 

كما ترتبط الأزمة مباشرة بطريقة إدارة السوق، لأن شركات الاتصالات تعمل داخل مساحة شبه مغلقة تفتقر إلى المنافسة الحقيقية. ولهذا تبدو الزيادات السعرية متقاربة ومتزامنة، بينما تبقى خيارات المواطن محدودة مهما تكررت الشكاوى أو تصاعد الغضب الشعبي.

 

شركات الاتصالات تحت حماية السلطة

 

ثم تكشف طريقة تعامل الجهات الرسمية مع الأزمة أن الحكومة تدير الملف باعتباره موردًا ماليًا لا حقًا عامًا. فالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يعلن أرقام الشكاوى ونسب الرد عليها، لكنه لا يطرح للرأي العام تفاصيل دقيقة حول أسباب ضعف الخدمة أو آليات احتساب الاستهلاك.

 

كذلك، تواصل الشركات تحميل المستخدم مسؤولية الأزمة عبر الحديث عن الضغط على الشبكات أو زيادة الاستخدام، بينما يتهم مواطنون الشركات باستهلاك الباقات بوتيرة غير مفهومة، خاصة مع تكرار انتهاء السعات قبل المواعيد المعتادة رغم ثبات أنماط الاستخدام داخل البيوت.

 

ومن هنا، يدعم الباحث الاقتصادي يزيد الصايغ هذا المحور من زاوية علاقة الدولة بالاقتصاد، لأنه يرى أن توسع المؤسسات المرتبطة بالسلطة داخل القطاعات الاقتصادية يضعف المنافسة ويمنح الشركات الكبرى مساحة أوسع للتحرك بعيدًا عن الرقابة المجتمعية الفعلية.

 

كما يوضح هذا النمط لماذا لا تواجه الشركات ضغوطًا حقيقية لإعادة هيكلة الأسعار أو تحسين الخدمة جذريًا. فالسوق يتحرك داخل بيئة تضمن استمرار الإيرادات أولًا، بينما يتحمل المواطن وحده نتائج الأعطال والبطء والزيادات المتكررة في الفواتير والباقات.

 

الغضب الرقمي يكشف أزمة ثقة أوسع

 

في الوقت نفسه، لم تعد شكاوى الإنترنت منفصلة عن المناخ العام داخل البلاد. فالمواطن الذي يواجه تضخمًا واسعًا وارتفاعًا في أسعار الغذاء والكهرباء والمواصلات، يجد نفسه مطالبًا أيضًا بدفع كلفة متزايدة لخدمة أصبحت شرطًا أساسيًا للحياة والعمل والدراسة.

 

لذلك، يخدم الكاتب الصحفي ناصر سلامة هذا المحور عبر تركيزه على فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية. فالحكومة تتحدث بلغة الإنجازات الرقمية، بينما يعيش المستخدم تجربة يومية مختلفة تقوم على الانقطاع والبطء ومطاردة الباقة قبل انتهاء الشهر.

 

كذلك، يضيف الكاتب الاقتصادي ممدوح الولي بُعدًا يتعلق بأثر السياسات الاقتصادية على الطبقة المتوسطة والفقيرة، لأن تحميل المواطنين كلفة الأزمات المتراكمة يدفع الخدمات الأساسية إلى حدود غير محتملة، خاصة عندما تتراجع القدرة الشرائية بصورة مستمرة.

 

وفي النهاية، لم يعد ملف الإنترنت مجرد أزمة تقنية يمكن احتواؤها ببيان رسمي أو إعلان عن زيادة السرعات. الأزمة الحقيقية تكمن في إدارة تعتبر المواطن مصدر تحصيل دائم، بينما تتركه وحيدًا أمام خدمة مضطربة وأسعار متصاعدة وشركات لا تواجه محاسبة حقيقية.