طالبت جلسة مجلس الشيوخ المصري المنعقدة اليوم في القاهرة بمراجعة شاملة لسياسات تطوير التعليم ومواجهة الغش في الثانوية العامة، حيث ناقش نواب أبرزهم عصام هلال وطارق عبد العزيز ملف المدارس اليابانية وتأمين الامتحانات، وسط اعترافات رسمية بوجود خلل متصاعد في المنظومة التعليمية وغياب أدوات الردع الفعالة داخل المدارس.
وتكشف المناقشات البرلمانية اتساع الفجوة بين الخطاب الحكومي حول الإصلاح وبين الواقع داخل المدارس، حيث تستمر ظواهر الغش الإلكتروني وتراجع الانضباط في وقت يتم فيه الترويج لنماذج تعليمية مستوردة دون معالجة أصل المشكلة المتمثلة في ضعف البنية التعليمية والاعتماد على الحلول الشكلية بدل الإصلاح الجذري.
أزمة الغش الإلكتروني في الثانوية العامة بين التطور التقني وضعف الاستجابة
وفي هذا السياق، برز ملف الغش الإلكتروني في امتحانات الثانوية العامة كأحد أكثر الملفات حساسية داخل المنظومة التعليمية، مع تصاعد استخدام السماعات والساعات الذكية ووسائل تقنية متطورة داخل اللجان، ما يعكس تحولا في طبيعة الظاهرة من الغش التقليدي إلى منظومة أكثر تعقيدا يصعب ضبطها بالأدوات الحالية.
ويؤكد د كمال مغيث الباحث التربوي أن التعامل مع الغش الإلكتروني لا يمكن أن ينجح عبر الإجراءات الأمنية فقط، موضحا أن المشكلة ترتبط بضعف جودة التعليم ذاته واعتماد الطلاب على الحفظ بدلا من الفهم، وهو ما يجعل الامتحان هدفا منفصلا عن العملية التعليمية ويكرس ثقافة التحايل بدلا من التعلم الحقيقي.
كما يضيف مغيث أن استمرار غياب تطوير المناهج وأساليب التقييم يجعل أي محاولات لتأمين الامتحانات محدودة التأثير، لأن الطالب يتعامل مع الثانوية العامة باعتبارها معركة نجاح لا مرحلة تعليم، وهو ما يعمق الظاهرة ويجعلها أكثر انتشارا كلما تطورت وسائل التقنية داخل المجتمع.
المدارس اليابانية بين شعار الإصلاح وغياب التقييم الحقيقي داخل النظام التعليمي
وبالتوازي مع أزمة الغش، عاد ملف المدارس اليابانية إلى الواجهة داخل مجلس الشيوخ مع تساؤلات حول جدوى التجربة ومدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في التعليم المصري، خاصة في ظل ارتفاع تكلفتها وعدم وضوح آليات تعميمها على نطاق واسع داخل المدارس الحكومية العادية.
ويشير د عاصم حجازي أستاذ علم النفس التربوي إلى أن استنساخ التجربة اليابانية بشكل جزئي دون نقل فلسفتها التعليمية الكاملة يؤدي إلى نتائج محدودة، موضحا أن جوهر النموذج الياباني يقوم على بناء الشخصية والانضباط الذاتي وليس مجرد شكل إداري أو نشاطات مدرسية معزولة عن النظام العام.
ويتابع حجازي أن التركيز على الشكل دون المحتوى يؤدي إلى خلق فجوة بين المدارس النموذجية وبقية المدارس، ما يكرس عدم العدالة التعليمية بدلا من حلها، ويجعل التجربة محدودة التأثير طالما لم يتم إصلاح بيئة التعليم الأساسية التي تضم الأغلبية الساحقة من الطلاب في مصر.
تأمين الامتحانات وإصلاح المنظومة التعليمية وغياب الحلول الجذرية
وبناء على ذلك، تواصل الحكومة طرح ملف تأمين امتحانات الثانوية العامة باعتباره أولوية، إلا أن التركيز على الجانب الأمني وحده يعكس غياب رؤية شاملة تربط بين جودة التعليم وآليات التقييم، حيث تتحول الامتحانات إلى ساحة مواجهة بدل كونها أداة قياس حقيقية لمستوى الطالب.
ويقول د عبد الله السناوي الكاتب والمحلل السياسي إن الأزمة التعليمية في مصر ليست تقنية فقط بل سياسية اجتماعية أيضا، موضحا أن تجاهل جذور المشكلة المرتبطة بالبنية الاقتصادية والاجتماعية للتعليم يجعل أي إصلاحات جزئية غير قادرة على تحقيق تحول حقيقي في المنظومة.
ويضيف السناوي أن الاعتماد على نماذج خارجية دون تطوير داخلي متكامل يعكس أزمة رؤية أعمق داخل السياسات العامة، حيث يتم التعامل مع التعليم باعتباره ملفا إداريا بدلا من كونه مشروع دولة طويل المدى يتطلب إعادة بناء شاملة تبدأ من المعلم والمناهج وصولا إلى نظام التقييم.
وبالتالي، يبقى ملف التعليم في مصر عالقا بين محاولات التحديث الجزئي واستمرار المشكلات البنيوية، بينما تتسع فجوة الثقة بين المجتمع والمؤسسات التعليمية، في ظل غياب حلول جذرية قادرة على وقف تدهور جودة التعليم أو معالجة ظواهر الغش والتراجع في الانضباط المدرسي بشكل مستدام.
ويستمر هذا الوضع في إنتاج أجيال تعتمد على الامتحان أكثر من التعلم، ما يضع مستقبل النظام التعليمي أمام تحديات طويلة الأمد تتطلب إعادة صياغة شاملة تبدأ من الأساس وليس من القشور، وهو ما لم يتحقق حتى الآن رغم كثرة المبادرات والقرارات المعلنة.

