حذرت صحيفة معاريف العبرية في تقرير نشرته داخل إسرائيل من أن التحركات العسكرية المصرية في سيناء تحولت من إجراءات مرتبطة بمكافحة الإرهاب إلى ما وصفته بتهديد استراتيجي جديد لإسرائيل، مشيرة إلى أن زيادة الوجود العسكري المصري قرب الحدود وتوسيع البنية اللوجستية في المنطقة يمثلان تغيرا تدريجيا يتجاوز قيود اتفاقية السلام الموقعة عام 1979.

 

ويأتي التصعيد الإعلامي الإسرائيلي في وقت تتزايد فيه الضغوط الإقليمية على القاهرة بسبب الحرب في غزة والتوترات الأمنية على الحدود الشرقية، بينما تواصل السلطة المصرية توسيع حضورها العسكري في سيناء دون إعلان واضح لطبيعة الترتيبات الجديدة أو حدود التنسيق القائم مع تل أبيب وواشنطن داخل المنطقة الحساسة أمنيا وسياسيا.

 

إسرائيل تربط التوسع العسكري المصري في سيناء بتآكل اتفاقية السلام

 

وفي هذا السياق، قالت صحيفة معاريف إن اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل قامت على قيود واضحة تحدد حجم وانتشار القوات العسكرية في سيناء بهدف منع أي احتكاك مستقبلي، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت توسيعا متدرجا للوجود العسكري المصري تحت عنوان مكافحة تنظيم داعش والجماعات المسلحة داخل شبه الجزيرة.

 

ويرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن الخطاب الإسرائيلي الحالي يعكس قلقا متصاعدا داخل دوائر الأمن في تل أبيب من تحول الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم، خاصة مع استمرار تعزيز البنية العسكرية المصرية قرب الحدود بما يتجاوز مفهوم العمليات المؤقتة المرتبطة بالحرب على الإرهاب.

 

كما أشارت الصحيفة العبرية إلى أن إسرائيل وافقت خلال فترات سابقة على إدخال قوات ومعدات إضافية إلى سيناء ضمن تفاهمات أمنية مرتبطة بمواجهة التنظيمات المسلحة، إلا أن هذه الموافقات كانت مرتبطة بظروف محددة وليست تعديلا دائما لبنية الاتفاق الأمني القائم منذ عقود.

 

الحرب على الإرهاب فتحت الباب لتحولات عسكرية واسعة في سيناء

 

وبالتوازي مع ذلك، ربط التقرير الإسرائيلي بين تراجع نشاط تنظيم داعش في سيناء واستمرار الوجود العسكري المصري المكثف، متسائلا عن أسباب الإبقاء على هذا الانتشار رغم إعلان السلطات المصرية نجاح العمليات الأمنية وتقليص قدرات التنظيم بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

 

ويؤكد الباحث في قضايا الأمن الإقليمي سعيد صادق أن الحرب على الإرهاب تحولت منذ سنوات إلى غطاء سياسي وأمني لإعادة تشكيل الواقع العسكري في سيناء، موضحا أن القاهرة استغلت الظرف الأمني لإعادة بناء بنية تحتية عسكرية واسعة تشمل طرقا ومراكز إمداد وتحركات مستمرة للقوات الثقيلة.

 

وأضاف صادق أن هذا التحول لم يعد مرتبطا فقط بملاحقة الجماعات المسلحة، بل بات جزءا من رؤية أمنية أوسع مرتبطة بحماية الحدود الشرقية والتحسب لتداعيات الحرب في غزة، خاصة مع تصاعد المخاوف المصرية من أي سيناريو يتعلق بتهجير الفلسطينيين نحو سيناء خلال الأشهر الأخيرة.

 

التوتر السياسي بين القاهرة وتل أبيب ينعكس على الخطاب الإسرائيلي

 

ومن جهة أخرى، ربطت صحيفة معاريف بين التحركات العسكرية المصرية وبين المواقف السياسية للقاهرة داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، معتبرة أن مصر تتبنى خطابا متشددا تجاه إسرائيل في ملفات الحرب على غزة والاستيطان والانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية.

 

ويقول الكاتب والمحلل السياسي عبد الله السناوي إن التصعيد الإعلامي الإسرائيلي ضد مصر يرتبط بحالة توتر سياسي متزايدة بسبب الحرب على غزة، موضحا أن تل أبيب تنظر بقلق إلى أي تحرك مصري يعكس استقلالا نسبيا في الموقف السياسي أو العسكري داخل المنطقة الحدودية الحساسة.

 

كما أضاف السناوي أن إسرائيل تسعى عبر هذا الخطاب إلى ممارسة ضغط استباقي على القاهرة لمنع تثبيت أي ترتيبات عسكرية جديدة في سيناء خارج الإطار التقليدي للاتفاقية، خاصة مع إدراك تل أبيب أن الواقع الأمني الحالي يختلف جذريا عن الظروف التي وُقعت فيها المعاهدة قبل أكثر من أربعة عقود.

 

وبناء على ذلك، طالبت الصحيفة العبرية بضرورة مراقبة التحركات المصرية بشكل أكبر وفرض شفافية كاملة على أي تغييرات عسكرية داخل سيناء، معتبرة أن استمرار التوسع الحالي دون تعديل رسمي ومعلن للاتفاقية يمثل خطرا استراتيجيا قد يغير ميزان القوى مستقبلا على الحدود الجنوبية لإسرائيل.

 

وفي المقابل، تواصل القاهرة التأكيد على أن كل التحركات العسكرية داخل سيناء تأتي في إطار مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي المصري، دون إعلان رسمي عن أي نية لتعديل اتفاقية السلام أو تغيير طبيعة التنسيق الأمني القائم مع إسرائيل والولايات المتحدة داخل المنطقة.

 

ومع استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوتر الإقليمي، تبدو سيناء مرة أخرى في قلب الحسابات الأمنية والعسكرية للمنطقة، بينما يكشف الهجوم الإعلامي الإسرائيلي عن حجم القلق داخل تل أبيب من تغير المعادلات التي ظلت مستقرة لعقود تحت مظلة اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية.