كشفت حلقة أحمد موسى على قناة صدى البلد مساء 9 مايو عن مشهد إعلامي جديد يدافع فيه إعلام النظام عن وزير النقل كامل الوزير بعد واقعة انفعاله على مهندس بمحور ديروط في محافظة أسيوط وإهانته له، فحوّل المذيع سؤال الكرامة المهنية إلى مرافعة طويلة عن الوزير وإنجازاته.
وجاء دفاع موسى بعد تداول المقطع المصور الذي أظهر الوزير وهو يطلب من المهندس المشرف على المرحلتين الثانية والثالثة بمحور ديروط الانصراف أثناء شرح التشغيل التجريبي، ثم استدعاه لاحقًا لاستكمال العرض، بما جعل الواقعة اختبارًا مباشرًا لطريقة السلطة في التعامل مع العاملين أمام الجمهور.
أحمد موسى يحول الواقعة من سؤال كرامة إلى مرافعة للوزير
بدأ أحمد موسى دفاعه بالقول إن كامل الوزير أبلغه بأن الناس تداولت جزءًا من الواقعة ولم تعرض ما بعدها، ثم بنى المذيع روايته على تقسيم الحكاية إلى جزء أول وجزء ثان، وبذلك نقل النقاش من سلوك الوزير أمام مهندس مرتبك إلى اتهام الجمهور باجتزاء الصورة.
ثم أضاف موسى أن وزير النقل يحرص في المشروعات على منح المهندسين الشباب فرصة الشرح أمام عدسات التصوير، واستشهد بمواقف قال إنه شاهدها بنفسه، لكن هذا التبرير لم يجب عن سؤال جوهري، لأن إتاحة الشرح للمهندس لا تمنح الوزير حق كسره أمام زملائه والحضور.
وبعد ذلك استخدم موسى عبارة منسوبة إلى الوزير تقول إنه يريد من المهندس أن يشرح حتى يتعلم، ثم قدّم هذا الكلام باعتباره دليل محبة وتدريب، بينما تكشف الواقعة أن التدريب الحقيقي يحتاج بيئة آمنة تحمي المهندس من الإهانة العلنية بدل تحويل الارتباك المهني إلى عقوبة فورية أمام الناس.
وفي هذا المحور، تخدم قراءة المحامي الحقوقي خالد علي ملف كرامة العمل، لأن دفاعه المتكرر عن حقوق العمال والتنظيم النقابي يربط أي علاقة عمل بضمانات دستورية وقانونية، ولذلك تصبح واقعة ديروط نموذجًا لسلوك إداري يضع سلطة المسؤول فوق كرامة العامل لا فوق الخطأ المهني.
نقابة المهندسين تكسر الرواية الرسمية وتعيد السؤال إلى الكرامة
في المقابل، جاء موقف نقابة المهندسين في أسيوط ليقطع الطريق على رواية التبرير، بعدما أكدت رفضها الكامل لما تعرض له أحد أعضائها من تعامل وصفته بغير اللائق أثناء أداء عمله، وشددت على أن كرامة المهندس خط أحمر لا يجوز المساس به في مواقع العمل.
وهنا تحولت الواقعة من جدل عابر على منصات التواصل إلى ملف نقابي واضح، لأن النقابة لم تناقش نية الوزير ولا حجم مشروعاته، بل ركزت على أثر السلوك على المهندس ومهنته، وهذا التركيز فضح محاولة موسى نقل القضية من حق العامل إلى سيرة المسؤول.
كما أن حديث موسى عن أن كامل الوزير لا يحتاج شهادة من أحد جاء في غير موضعه، لأن القضية لا تتعلق بسيرة الوزير الذاتية ولا بعدد جولاته، بل تتعلق بمشهد علني ظهر فيه مسؤول يوبخ مهندسًا خلال شرح مشروع عام، ثم يطالب إعلامي موال للسلطة الناس بتجاهل الأثر المهني للواقعة.
ومن زاوية حقوقية أوسع، يقدم محمد زارع وظيفة تحريرية مهمة في هذا الملف، لأنه أكد في دفاعه عن العمل الحقوقي أن انتهاك الحقوق ومصادرة الحريات يضران بمصلحة البلاد، وهذا المعنى ينسحب على بيئة العمل حين تتحول الكرامة المهنية إلى تفصيل ثانوي أمام صورة المسؤول.
إعلام النظام يطلب من الناس تصديق الإنجاز ونسيان الإهانة
واصل موسى دفاعه وتطبيله عبر وصف كامل الوزير بأنه يعمل 30 ساعة في 24 ساعة، وقال إن الوزير حقق إنجازات هائلة وكل الدنيا تشهد له، وهذه الصياغة تكشف آلية إعلامية ثابتة، إذ يرد المذيع على واقعة محددة بسرد بطولي واسع يطلب من الجمهور أن يرى الوزير فوق المساءلة.
ثم وسع موسى المرافعة حين قال إن الوزير لا يقبل الشغل الناقص، وإنه ينزل بنفسه إلى الجبال لاختيار مسارات القطارات السريعة والمونوريل والقطار الكهربائي الخفيف، وذكر أنه يتحرك في 27 محافظة وفي حرارة تصل إلى 50 درجة، وكأن هذا الجهد البدني يبرر طريقة التعامل مع المرؤوسين باستعلاء وتكبر يصل إلى حد الإهانة.
وبينما كان السؤال العام يدور حول مهندس مرتبك أمام مسؤول كبير، اختار موسى أن يضع الجمهور أمام ثنائية مصطنعة، إما تقديس الوزير لأنه شغال، وإما اتهام المنتقدين بأنهم اجتزأوا المشهد، وهذه الثنائية تحمي السلطة من المحاسبة وتحوّل الإعلام إلى مكتب علاقات عامة داخل الاستوديو.
وفي هذا السياق، يحمل موقف الحقوقي جمال عيد وظيفة واضحة داخل التقرير، لأنه ربط إغلاق الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بالقمع والتضييق الأمني، كما قال إنه لن يتحول إلى مؤسسة متواطئة، وهذا المعنى يكشف الفارق بين إعلام يراقب السلطة وإعلام يبررها.
الخلاصة: واقعة ديروط تكشف وزيرًا يوبخ وإعلامًا يصفق
تؤكد واقعة محور ديروط أن الأزمة لا تقف عند عبارة قالها وزير غاضب أو مهندس ارتبك أثناء الشرح، بل تمتد إلى منظومة كاملة تجعل المسؤول محصنًا بالدعاية، وتجعل العامل مطالبًا بالصمت، وتجعل الإعلامي جاهزًا لتحويل الإهانة إلى درس إداري.
ولذلك يصبح دفاع أحمد موسى عن كامل الوزير جزءًا من المشكلة لا هامشًا عليها، لأنه لم يسأل عن حق المهندس في الاحترام، ولم يطالب باعتذار واضح، ولم يناقش حدود سلطة الوزير، بل قدّم للمشاهدين وصفة مألوفة تقول إن الإنجاز المعلن يكفي لابتلاع أي تجاوز.
وفي النهاية، تكشف هذه الواقعة أن إعلام النظام لا يدافع عن المشروعات العامة بقدر ما يدافع عن صورة المسؤولين داخلها، لأن المشروع الذي يهين العاملين لا يكتمل بالخرسانة والمحاور، والوزير الذي يطلب 100% في التنفيذ يجب أن يلتزم 100% باحترام الناس أمام الكاميرات وخلفها.

