أطلقت فتيات فلسطينيات على رمال شاطئ غزة فعالية “أشرعة الأمل”، ردا على اعتراض القوات الإسرائيلية “أسطول الصمود العالمي” في المياه الدولية ومنعه من الوصول إلى القطاع المحاصر، في مشهد رمزي جمع بين الاحتجاج النسوي والدفاع عن حق سكان غزة في الغذاء والدواء والتنقل والحياة.

 

وجاءت الفعالية بينما يواجه سكان القطاع فصلا جديدا من المعاناة، إذ يتواصل تدمير الأحياء السكنية والبنية التحتية عبر الجرافات والمعدات الثقيلة رغم الحديث عن التهدئة، ما يحول العودة إلى المنازل إلى حلم بعيد ويجعل الحصار البحري والبري جزءا من سياسة أوسع لخنق غزة ومحو مقومات الحياة فيها.

 

أشرعة الأمل ترد على اعتراض أسطول الصمود العالمي

 

تحولت رمال شاطئ غزة إلى منصة احتجاج رمزية، بعدما اجتمعت مجموعة من الفتيات في فعالية “أشرعة الأمل” للتنديد باعتراض القوات الإسرائيلية “أسطول الصمود العالمي” ومنعه من الوصول إلى القطاع، حيث أرادت المشاركات تأكيد أن منع السفن لا يمنع الرسالة ولا يسكت صوت المحاصرين.

 

وجاء تنظيم الفعالية في ظل استمرار التحركات الرافضة لسياسات العزل القسري التي تضرب حياة نحو مليوني إنسان محاصر داخل قطاع غزة، إذ تربط المشاركات بين منع الأسطول وإغلاق المعابر وتعطيل تدفق الدواء والغذاء ومستلزمات الحياة الضرورية، باعتبارها حلقات متصلة في حصار يستهدف البقاء اليومي للسكان.

 

وتفاقمت الأوضاع الإنسانية بعدما شلت القوات الإسرائيلية حركة “أسطول الصمود العالمي” في المياه الدولية قرب جزيرة كريت، وهو الأسطول الذي انطلق في نيسان الماضي بمشاركة مئات الناشطين الدوليين، وكان يحمل رسالة إنسانية تسعى لكسر العزلة المفروضة على القطاع المحاصر.

 

لذلك لم تكن “أشرعة الأمل” مجرد وقفة عابرة على الساحل، بل محاولة لإعادة توجيه بوصلة الاهتمام الدولي نحو انهيار المنظومة الصحية والتعليمية، وإلى حاجة غزة العاجلة لممرات آمنة تسمح بدخول الإغاثات الطبية والمواد الغذائية، بعدما أصبح إغلاق المنافذ سببا مباشرا في تعميق الكارثة.

 

وأكدت منسقة الفعالية لينا أحمد أن الوقفة تجسد حاجة السكان إلى كل صوت حر يناهض تحويل الحصار إلى أداة تمس الكرامة الإنسانية وحق التنقل والعلاج، مشيرة إلى أن اعتراض الأسطول زاد إصرار الفتيات على إيصال رسالة تقدير لكل جهد دولي يحاول إنهاء هذا العزل القاسي.

 

وأوضحت لينا أحمد أن صرخة الاعتراض خرجت من واقع مرير يموت فيه المرضى بسبب غياب العقاقير الطبية وفقدان المستلزمات العلاجية، بعدما أدى غلق المنافذ البرية والبحرية إلى حرمان السكان من أبسط شروط النجاة، وتحويل العلاج إلى انتظار قاتل لا يملك المرضى ترف احتماله.

 

حضور نسوي يحول الشاطئ إلى رسالة سياسية وإنسانية

 

توضح مسك أبو سلمية أن مشاركتها في فعالية “أشرعة الأمل” جاءت دفاعا عن حقوق أساسية سلبها الحصار، بعدما أصبح الحصول على الغذاء معركة يومية مضنية داخل قطاع يعيش تحت ضغط الجوع والنزوح وانهيار الخدمات، بينما جرى إجهاض رسالة الأسطول الإنسانية في عرض البحر.

 

وترى أبو سلمية أن “أسطول الصمود العالمي” لم يكن يحمل تهديدا عسكريا أو سياسيا، بل حمل رسالة إنسانية خالصة إلى سكان محرومين من الغذاء والدواء، ولذلك اعتبرت اعتراضه دليلا جديدا على أن سياسة الحصار لا تستهدف السفن فقط، بل تستهدف أي نافذة أمل تصل إلى غزة.

 

ومن جانبها، شددت جنى أبو ضلفة على أن الفتيات أصبحن جزءا أصيلا من الحراك المطالب بالحرية، خاصة في ظل تعطل المسيرة التعليمية لآلاف الطالبات، وتفاقم معاناة الأمهات داخل خيام نزوح لا توفر الحد الأدنى من الأمان أو الخصوصية أو القدرة على تربية الأطفال في ظروف إنسانية طبيعية.

 

ويكشف حضور الفتيات في هذه الفعالية اتساع معنى المقاومة المدنية داخل غزة، لأن النساء والفتيات لا يواجهن فقط آثار الحرب المباشرة، بل يواجهن أيضا فقدان المدرسة والبيت والمستشفى والأمان النفسي، ثم يحاولن تحويل الألم اليومي إلى خطاب مرئي يسمعه العالم من شاطئ محاصر.

 

وتختتم شهد زايدة المشهد بالتأكيد على أن وصول رسالة المتضامنين في “أسطول الصمود العالمي” يمثل انتصارا معنويا يتجاوز حدود السفن والمياه، لأن مجرد محاولة الوصول إلى غزة تكسر جدار العزلة وتمنح الشباب شعورا بأن العالم لم يغلق عينيه بالكامل أمام معاناتهم.

 

كما تعبر زايدة عن تطلع جيل الشباب إلى العيش والعمل والسفر بحرية دون قيود أمنية أو خوف دائم من الإغلاق، لتصبح “أشرعة الأمل” منصة رمزية لمواجهة الانهيار النفسي والإنساني، في وقت تحذر فيه تقارير دولية من كارثة معيشية إذا استمر منع الممرات الإنسانية واعتراض قوافل الإغاثة المدنية.

 

من حصار البحر إلى تدمير البر.. غزة بين الجرافات والخيام

 

في موازاة فعالية الشاطئ، يواجه سكان قطاع غزة فصلا جديدا من المعاناة الممنهجة رغم سريان اتفاقات وقف إطلاق النار، إذ تتصاعد وتيرة التدمير الهندسي الذي يطال الأحياء السكنية والبنية التحتية، عبر عمليات تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي بالجرافات والمعدات الثقيلة لمسح مناطق كاملة من الخريطة.

 

وتهدف هذه العمليات إلى جعل العودة إلى المنازل أمرا شبه مستحيل، لأن الهدم لا يطال جدرانا منفردة فقط، بل يضرب شبكات المياه والكهرباء والطرق والمرافق التي تمنح الحياة معناها العملي، وبذلك يتحول الركام إلى حاجز جديد يمنع السكان من استعادة أي قدر من الاستقرار.

 

وتغيرت ملامح الصراع داخل القطاع من القصف الجوي المركز إلى سياسة الأرض المحروقة والتدمير الصامت، حيث تستهدف الآليات الثقيلة المربعات السكنية والمرافق الخدمية، ويرى مراقبون أن هذا النمط يمثل جريمة مكتملة الأركان لأنه يمنع الفلسطينيين من استئناف حياتهم الطبيعية بعد توقف النار.

 

وتسببت هذه الإجراءات الميدانية في تحويل مدن ومناطق واسعة إلى أكوام من الركام، لا تتوفر فيها أدنى معايير الأمان الصحي أو الخدمي، بينما يعيش السكان بين خيام متهالكة وأنقاض لا تصلح للسكن، في مشهد يجعل التهدئة مجرد عنوان سياسي لا يوقف آثار الحرب على الأرض.

 

كما تطل الإبادة الصامتة عبر منع النازحين من الوصول إلى مناطقهم الأصلية، خاصة في المناطق الشمالية والحدودية من قطاع غزة، إذ تفرض سلطات الاحتلال قيودا صارمة تمنع العائلات من تفقد أنقاض منازلها، وتكرس واقعا ديموغرافيا جديدا يقوم على تهجير طويل الأمد.

 

وتعيش آلاف العائلات في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، بينما تستمر سياسة الهدم بما يتجاوز الضرورات العسكرية المعلنة، لتصل إلى مستوى المحو الجغرافي الشامل الذي يقطع صلة السكان بمنازلهم وأحيائهم، ويجعل النزوح حالة ممتدة لا ظرفا مؤقتا مرتبطا بمرحلة القتال.

 

انهيار الخدمات ومطالبات بمحاسبة دولية

 

وتؤكد تقارير حقوقية أن استهداف المستشفيات والمرافق الخدمية يندرج ضمن مخطط الإبادة الصامتة الذي ينفذه الاحتلال الغاشم و يدفع السكان نحو اليأس والهجرة، لأن غياب العلاج والوقود والغذاء لا يقتل بالانفجار المباشر فقط، بل يترك المرضى والأطفال وكبار السن أمام موت بطيء داخل منطقة محاصرة.

 

ويعاني قطاع غزة من نقص حاد في الأدوية والوقود والغذاء، بينما تواصل المعدات الهندسية تجريف الطرق الرئيسية وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ما يجعل الإغاثة نفسها رهينة لمسارات مدمرة وحواجز ميدانية، ويعمق عجز المؤسسات المحلية والدولية عن الوصول المنتظم إلى المحتاجين.

 

ويمثل هذا التدمير الممنهج محاولة واضحة لتقويض أي فرصة مستقبلية لإعادة الإعمار، لأن إعادة بناء المدينة لا تبدأ من رفع الأنقاض فقط، بل تحتاج إلى طرق وشبكات ومرافق ومستشفيات ومدارس، وهي كلها أهداف تتعرض للتجريف والهدم بما يفتح أزمات اجتماعية واقتصادية وأمنية واسعة.

 

وتتصاعد الانتقادات الدولية ضد الممارسات الإسرائيلية التي تستهدف البنية التحتية المدنية وتحول قطاع غزة إلى منطقة غير قابلة للعيش، فيما تطالب منظمات حقوق الإنسان بفتح تحقيقات دولية عاجلة لمحاسبة المسؤولين عن عمليات الهدم الواسعة التي تتم تحت ستار التهدئة.

 

ويرى محللون أن الصراع تحول إلى معركة على الجغرافيا، لأن تدمير الأحياء ومنع العودة وتقييد الحركة لا ينفصل عن محاولة تغيير توزيع السكان وفرض واقع جديد بالقوة، بينما ينتظر الفلسطينيون فرصة حقيقية للحياة بعيدا عن الدمار والنزوح المستمر وأنقاض مدنهم المنهارة.

 

وفي النهاية، تجمع “أشرعة الأمل” بين رمزية البحر ووجع البر، فالفتيات اللواتي وقفن على شاطئ غزة لم يدافعن عن سفن ممنوعة فقط، بل دافعن عن حق شعب كامل في الوصول إلى الدواء والغذاء والبيت والمدرسة والكرامة، وسط حصار يعترض المساعدات في الماء ويمحو البيوت على الأرض.