تعيش بلدات الجنوب اللبناني واحدة من أكثر المراحل قسوة منذ سنوات، إذ تحوّلت عودة الأهالي التي رافقت دخول الهدنة حيّز التنفيذ في 17 أبريل الماضي إلى عودة مؤقتة لا تلبث أن تنقلب إلى موجة نزوح جديدة، بفعل أوامر الإخلاء الإسرائيلية المتكررة التي طالت عشرات القرى، وأعادت آلاف العائلات إلى دوامة التهجير مجدداً.

 

ورغم توقف العمليات العسكرية الواسعة نسبياً، فإن التهديدات المتلاحقة التي شملت قرى في أقضية النبطية، بنت جبيل، صور، مرجعيون، وصولاً إلى بلدات شمال نهر الليطاني، جعلت من فكرة الاستقرار أمراً أقرب إلى المستحيل، في ظل تقديرات غير رسمية تشير إلى أن نحو 69 بلدة باتت ضمن نطاق التهديد المباشر.

 

بين خيارين قاسيين، يجد الأهالي أنفسهم أمام معادلة يومية مؤلمة: البقاء تحت خطر الاستهداف، أو مغادرة منازلهم على عجل نحو مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.

 

عودة قصيرة… وتهجير جديد

 

كثير من العائلات لم تمضِ سوى أيام قليلة في قراها بعد الهدنة، قبل أن تُجبر على المغادرة مجدداً. خديجة سلامة من بلدة قعقعية الجسر تصف تلك اللحظات قائلة: "عدنا بعد وقف إطلاق النار وبدأنا ترتيب حياتنا، لكن الغارات والتهديدات لم تتوقف. عندما صدر التهديد الإسرائيلي لم نستطع حتى أخذ ملابسنا".

 

وتضيف وهي تتحدث عن واقع مراكز الإيواء: "ذهبنا إلى أحد المطاعم في المجيدل، لكن الظروف كانت صعبة جداً بسبب الأمطار. لم نعد نحتمل… حتى الطعام لا يُطاق".

 

مراكز إيواء مكتظة وواقع معيشي صعب

 

في قضاء جزين، تحولت مدارس ومبانٍ عامة إلى مراكز إيواء تستقبل موجات متتالية من النازحين. مستشفى جزين القديم، وعدد من المدارس، امتلأت بعائلات هجّرت فجأة دون استعداد مسبق.

 

عماد خليل من بلدة حبوش يصف لحظة القرار الصعب قائلاً: "لم أغادر بلدتي طوال الحرب، لكن عند صدور التهديد لا يمكن المخاطرة بحياة الأطفال. اضطررنا للرحيل رغم صعوبة القرار".

 

أما محمود أحمد علي من عربصاليم، فيشير إلى معادلة قاسية فرضتها الظروف: "إما استئجار غرفة في فندق وإنفاق كل ما نملك، أو الذهاب إلى المدرسة كمركز إيواء. اخترنا البقاء مع الحد الأدنى من الأمان".

 

ويضيف: "ابنتي تبكي كثيراً، هي لا تتحمل فكرة العيش في مدرسة، لكن لا خيار لدينا".

 

أطفال في مواجهة التهجير

 

المأساة لا تقف عند حدود البالغين، بل تمتد إلى الأطفال الذين وجدوا أنفسهم وسط بيئة غير مألوفة. منال إسماعيل محمد، التي نزحت من جبشيت، تقول إنها لجأت إلى مدرسة في قضاء جزين بعد أن كانت قد عاشت تجربة نزوح سابقة في شقة مكتظة تضم عشرات الأشخاص.

 

وتوضح: "أطفالنا كانوا ينتظرون العودة إلى مدارسهم، لكننا عدنا إلى التهجير مرة أخرى. لا نعلم إن كنا سنعود إلى منازلنا أم سنجدها مدمرة".

 

وتضيف بقلق واضح: "ابنتي في مرحلة الشهادة، ولا أعرف كيف ستتمكن من الدراسة داخل مركز الإيواء".

 

نزوح متكرر بلا استقرار

 

في بلدة بنعفول، تحولت المدرسة إلى مركز إيواء جديد بعد توسع التهديدات. بلدة الغازية المجاورة بدورها تستقبل آلاف النازحين في المدارس والشقق السكنية.

 

رئيس بلدية بنعفول توفيق الرز يوضح أن البلدة تستضيف عشرات العائلات داخل المدرسة، إلى جانب مئات آخرين في المنازل، مشيراً إلى أن الجهود المحلية تعتمد بشكل أساسي على المبادرات الفردية والدعم المحدود.

 

ويقول: "نعمل على تأمين الغذاء والأدوية بالتعاون مع جهات محلية، لكن الإمكانيات محدودة مقارنة بحجم الأزمة".

 

"حياتنا حقيبة سفر"

 

قاسم حمد، وهو أحد النازحين من النبطية الفوقا، يلخص المشهد بمرارة: "حياتنا أصبحت حقيبة سفر… لا نعرف أين سنكون غداً".

 

ويضيف أن توقف راتبه زاد من تعقيد الوضع، مشيراً إلى أن حتى الطعام في مراكز الإيواء "غير صالح أحياناً"، ما يدفع بعض العائلات إلى اقتراح حلول بديلة لتأمين وجبات أفضل.

 

خوف ممتد وولادة تحت التهديد

 

المشهد الأكثر قسوة يتجلى في حالات النساء الحوامل والأطفال. ندى الرواس، الحامل في شهرها السابع، تروي تفاصيل الهروب من بلدة حومين التحتا بعد تهديد مباشر.

 

تقول: "استيقظنا على أصوات الرصاص، وانتظرنا أن تهدأ الأمور، لكن التهديد تكرر. اضطررنا للانتقال من منزل إلى آخر خلال ساعات".

 

وتضيف بقلق: "جهزت غرفة لطفلتي، لكن لا أعرف إن كنا سنعود إليها. الضغط النفسي كبير، وأخشى أن ألد قبل أواني".