حذرت شكاوى سكان تقسيم عمر بن الخطاب بحي السلام أول شرق القاهرة من خطر صحي وإنشائي متصاعد بعد تحويل بدرومات وجراجات ووحدات سكنية إلى معارض أقمشة ومخازن وورش صباغة وطباعة منسوجات، ما جعل المنطقة السكنية محاصرة بروائح كريهة وضجيج مستمر وإشغالات تمنع حركة الإسعاف والمطافئ.
وتكشف الأزمة فشلا واضحا في رقابة المحليات على تغيير النشاط داخل الكتلة السكنية، إذ تركت أجهزة الحي منطقة كانت مخصصة للسكن تتحول إلى سوق وورش ومخازن مواد قابلة للاشتعال، ثم بدأت تتحدث عن الحصر والغلق بعد أن أصبح السكان يصفون حياتهم اليومية بأنها محاطة بالخطر من كل جانب.
صبغات وروائح وماكينات داخل العمارات السكنية
تبدأ الأزمة من الدور الأرضي والبدرومات التي تحولت إلى مصانع ومعارض ومخازن أقمشة، حيث تلاحق روائح الصباغة والطباعة سكان العمارات طوال اليوم، بينما تتداخل أصوات الماكينات وأعمال الحفر وتكسير الجدران مع حياة الأسر داخل منطقة يفترض أنها سكنية لا صناعية.
وقالت هدى بركات، إحدى قاطنات التقسيم، إن مصنعا أسفل منزلها يصدر روائح كريهة ويشكل قنبلة موقوتة إذا اندلع حريق، وأوضحت أن السموم الناتجة عن أعمال الصباغة وطلاء الأقمشة تهاجم صدور السكان المقيمين فوقه مباشرة.
كما أكدت بركات أن أصوات الماكينات والمحال والمصانع تستمر خلال النهار والليل، إلى جانب أصوات المثاقب وخلع الجدران، واعتبرت أن المنطقة الهادئة تحولت فجأة إلى نسخة من الحرفيين والعتبة وشارع الأزهر، بينما يغيب تحرك حاسم من رئيس الحي.
وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، زاوية الخطر الصحي، لأن حديثه المتكرر عن خفض الانبعاثات ومنع مصادر التلوث يضع ورش الصباغة والطباعة داخل السكن ضمن أنشطة يجب عزلها ورقابتها لا تركها أسفل غرف النوم.
لذلك لا تبدو شكوى الروائح والضجيج مسألة إزعاج عابر، بل تعني أن نشاطا صناعيا ملوثا دخل إلى قلب العمارات دون اشتراطات تهوية وسلامة ومراجعة بيئية، وأن السكان باتوا يتحملون كلفة ربح تجاري لا علاقة لهم به ولا قدرة لهم على ضبطه.
جراجات تحولت لمخازن وإشغالات تمنع الإنقاذ
تتوسع الأزمة من التلوث إلى إغلاق المجال العام، إذ قال صلاح حسانين، أحد سكان المنطقة، إن استئجار محال تجارية من ملاك مصريين خلق أزمة بيئية وتنظيمية بعد انتشار افتراش الأرصفة وإغلاق الطرق بالحواجز الأسمنتية والبلاستيكية أمام المحال.
وأضاف حسانين أن السكان حين يتحدثون مع المستأجرين يتلقون ردا يحيلهم إلى المالك الأصلي، وكأن حقوقهم تضيع بين المستأجر والمالك، بينما تسببت المعارض ومحال الطعام والأقمشة في زحام الشوارع وتعطيل حركة الدخول والخروج من المنطقة.
وأشار حسانين إلى أن سيارات المطافئ والإسعاف لن تستطيع دخول الشوارع إذا وقع حريق، بسبب إشغالات المحال والمطاعم والحواجز الأسمنتية والحديدية، وهذه النقطة تحول المخالفة من تعد على الرصيف إلى تهديد مباشر لأرواح السكان عند الطوارئ.
ومن جانبها، كشفت مروة ناصر عن تحويل الجراجات المخصصة لسيارات السكان إلى مخازن ومعارض ضخمة للأقمشة، بعدما رفض أصحابها السماح للسكان باستخدامها كأماكن انتظار لسياراتهم، وفضّلوا تأجيرها تجاريا بالمخالفة لطبيعة المكان ووظيفته الأصلية.
وفي هذا السياق، يدعم رأي يحيى شوكت، الباحث ومحلل سياسات الإسكان والعمران ومدير مرصد العمران، محور الفوضى المكانية، لأنه يربط أزمة المدن بحق السكان في السكن الآمن والمساحة العامة، لا بحق المستثمر الصغير أو الكبير في ابتلاع الجراج والرصيف والشارع.
وعلى هذا الأساس، تصبح مطالبة مروة ناصر لوزيرة التنمية المحلية منال عوض بفتح تحقيق عاجل مع مسؤولي حي السلام أول مطالبة منطقية، لأن الحي لا يواجه مخالفة فردية، بل يواجه شبكة كاملة من تغيير النشاط والتخزين والإشغال داخل منطقة سكنية.
تكسير حوائط ومواد قابلة للاشتعال وسلطات تتحرك بعد الكارثة
شريف المهدي، أحد السكان، دق ناقوس الخطر من تعديات إنشائية تتمثل في تكسير حوائط الشقق السكنية لتحويلها إلى معارض، وحذر من أن هذه الأعمال تهدد السلامة الإنشائية للعقارات، متسائلا كيف تمر هذه الأفعال أمام مسؤولي حي السلام أول دون تدخل.
وتتضاعف الخطورة مع استخدام ماكينات الليزر ذات الحرارة العالية بجانب مواد شديدة الاشتعال داخل مخازن أقمشة ومعارض محاصرة بالسكان، وهو ما يجعل أي شرارة بداية محتملة لحريق واسع لا تملك الشوارع الضيقة والمغلقة بالحواجز فرصة لاحتوائه بسرعة.
كذلك وصفت فاطمة عبد السلام المعاناة اليومية للسكان، مؤكدة أن سيارات الإسعاف عاجزة عن دخول الشوارع بسبب تكدس سيارات النقل التابعة للمعارض والمخلفات والإشغالات، وطالبت بنقل هذه المعارض خارج الكتلة السكنية فورا وتخصيص أسواق بديلة بعيدا عن أرواح المواطنين.
وفي المقابل، قال سلامة علام، صاحب معرض أقمشة بالتقسيم، إن أجهزة الحي أغلقت معرضه بدعوى عدم التقنين، وأكد أن المكان يمثل مصدر رزقه الوحيد ويعول أكثر من 5 أسر، وناشد محافظ القاهرة فتح باب تقنين الأوضاع ومنح تراخيص رسمية.
غير أن طرح التقنين يصطدم بطبيعة المنطقة السكنية وبخطورة النشاط نفسه، لأن الرزق لا يبرر تحويل الجراج إلى مخزن أقمشة ولا يبيح إدخال صباغة وطباعة وماكينات ومواد اشتعال أسفل السكان، كما أن الرسوم الضريبية لا تصلح بديلا عن السلامة العامة.
وهنا يخدم رأي المهندس الاستشاري ممدوح حمزة محور السلامة الإنشائية، لأنه خبير هندسي معروف، ويجعل تكسير الحوائط وتغيير الاستخدام داخل العقارات السكنية مسألة فنية خطرة لا يجوز تركها لتقدير مالك أو مستأجر أو موظف حي يتأخر في التحرك.
وبعد تصاعد الشكاوى، قالت منى البطراوي، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية، إن حي السلام أول بدأ حصر المحال والمعارض لمعرفة أعدادها واتخاذ الإجراءات القانونية، وأوضحت أن الحي رفض التصالح على الأماكن المحولة من سكني إلى تجاري ويجري غلقها وتشميعها وقطع المرافق عنها.
كما أكد مصدر مسؤول في حي السلام أول استمرار الحملات بالتنسيق مع الشرطة وإدارات المحال والإسكان والإشغالات، لإخلاء المخازن والبدرومات والوحدات السكنية التي تحولت إلى محال ومعارض أقمشة، ورفع الإشغالات والمخالفات من شوارع التقسيم.
لكن إعلان الحصر والحملات لا يعفي الحي من مسؤوليته السابقة، لأن البدرومات والجراجات مخصصة لإيواء سيارات السكان فقط، ولأن تحويل الوحدات السكنية إلى تجارية لا يدخل ضمن التصالح، وهو ما يعني أن المخالفات كانت ظاهرة وواضحة قبل أن تصبح أزمة منشورة.
وفي المحصلة، لا يطلب سكان تقسيم عمر بن الخطاب سوى تطبيق القانون الذي تأخر، فإما أن تنقل الورش والمعارض والمخازن خارج الكتلة السكنية وتستعاد الجراجات والأرصفة والشوارع، وإما أن تبقى المنطقة رهينة انتظار حريق أو انهيار أو حالة اختناق تثبت ما حذر منه الأهالي طويلا.

