قدمت طهران وقف إطلاق النار في إبريل الماضي بعد نحو 6 أسابيع من الحرب ضد أمريكا وإسرائيل باعتباره انتصارًا عسكريًا وإفشالًا لهدف كسر إيران عسكريًا وسياسيًا، وأظهرت أسابيع الحرب أن إيران لم تخرج من المواجهة بنصر عسكري صاف، لكنها انتزعت مكاسب سياسية واضحة، فقد صمدت الدولة أمام ضربات واسعة، وحافظت على أدوات الردع، وفرضت على واشنطن وتل أبيب حسابات كلفة لا يمكن تجاوزها، بينما بقيت الخسائر البشرية والعسكرية والاقتصادية ثقيلة في الميزان الإيراني.

 

صمود الدولة يحول الضربة العسكرية إلى مكسب سياسي

 

جاء المكسب الأول لإيران من فشل الضربات الأمريكية والإسرائيلية في تفكيك مركز القرار داخل طهران، فقد راهن خصومها على تحويل التفوق العسكري إلى انهيار سياسي سريع، لكن مؤسسات الدولة واصلت إدارة الحرب والرد والتفاوض، وهو ما منح الرواية الإيرانية أرضية قوية أمام جمهورها وخصومها.

 

ثم عززت طهران هذا المكسب عبر قدرتها على إبقاء المواجهة مفتوحة دون فقدان السيطرة، فقد ردت بصواريخ وطائرات مسيرة وأدوات ضغط بحرية، وأجبرت أمريكا وإسرائيل على التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة ممتدة، لا ضربة خاطفة تنتهي بإعلان نصر عسكري من طرف واحد.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي فالي نصر محور الصمود السياسي، إذ أكد أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جونز هوبكنز أن طول الحرب زاد أوراق إيران، لأن استمرارها كشف محدودية الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، وجعل طهران أكثر قدرة على فرض نفسها داخل أي مسار تفاوضي لاحق.

 

كما استفادت إيران من تحول وقف إطلاق النار إلى اعتراف عملي بأن الحسم العسكري لم يحقق غايته، فقد أعلنت واشنطن أهدافا كبرى تتعلق بتدمير القدرات الإيرانية، لكن النهاية جاءت عبر تهدئة مشروطة ومفاوضات مفتوحة، وهذا الفارق بين الهدف والنتيجة منح طهران مساحة سياسية معتبرة.

 

لذلك لم يكن صمود إيران مجرد بقاء سلطة تحت القصف، بل كان انتقالا من موقع الدولة المستهدفة إلى موقع الطرف الذي يصعب تجاوزه، فقد ظهرت طهران قادرة على امتصاص الضربة وإعادة توزيع الضغط، بينما بدا خصومها عاجزين عن تحويل التفوق العسكري إلى استسلام سياسي.

 

مأزق أمريكا وإسرائيل يمنح طهران أوراق تفاوض جديدة

 

فتح فشل الحسم السريع بابا واسعا أمام المكسب الإيراني الثاني، فقد وجدت أمريكا وإسرائيل نفسيهما أمام حرب مكلفة يصعب توسيعها ويصعب إنهاؤها بشروط المنتصر الكامل، وهذا المأزق منح طهران فرصة لإعادة صياغة المعركة باعتبارها صراعا على شروط التسوية لا معركة بقاء فقط.

 

بعد ذلك تحولت ملفات الملاحة والطاقة والبرنامج النووي إلى أوراق ضغط إيرانية متداخلة، فقد ربطت طهران أمن الخليج ومسار النفط بمآلات الحرب، وأظهرت أن ضرب منشآتها لا يعني عزلها، بل يعني فتح أبواب اضطراب اقتصادي عالمي يمس أسعار الوقود وسلاسل الإمداد والتجارة البحرية.

 

وفي هذا الموضع، يخدم رأي تريتا بارسي محور التعثر الأمريكي، إذ يرى الباحث في معهد كوينسي أن واشنطن أخطأت حين ظنت أن الضغط العسكري سيقربها من صفقة أفضل، لأن الحرب جعلت أي تسوية مع إيران أكثر صعوبة، ورفعت كلفة تجاهل مطالب طهران.

 

بالتزامن، واجهت إسرائيل حدود القوة الجوية أمام خصم واسع الجغرافيا ومتعدد الأدوات، فقد ألحقت ضربات مؤلمة داخل إيران، لكنها لم تستطع إنهاء قدرة طهران على الرد أو تحويل الضربة إلى تغيير سياسي، وهذا الفشل النسبي منح إيران رواية تقول إن الردع لم ينكسر.

 

ومن ثم صار التفاوض نفسه جزءا من مكاسب إيران، لأن الدولة التي استهدفها الهجوم بقيت طرفا رئيسيا في تحديد شروط التهدئة، وبقيت قادرة على ربط وقف النار بالملاحة والطاقة والنووي، بينما احتاجت أمريكا وإسرائيل إلى مخرج يمنع توسع الحرب لا إلى بيان انتصار فقط.

 

فاتورة الخسائر تحدد حدود الانتصار الإيراني

 

في المقابل، لا تسمح الخسائر بتقديم المشهد كأنه انتصار مجاني، فقد أعلنت وزارة الصحة الإيرانية سقوط أكثر من 3375 قتيلا منذ 28 فبراير 2026، وتحدثت تقارير حقوقية وصحفية عن مئات الأطفال بين الضحايا، وهو رقم يضع الكلفة الإنسانية في قلب أي تقييم سياسي للحرب.

 

كذلك تحملت إيران خسائر عسكرية واضحة، فقد استهدفت الضربات مواقع ومنشآت وشبكات قيادة وقدرات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة، ودفعت طهران إلى إدارة حرب دفاعية صعبة تحت ضغط استخباراتي وجوي مكثف، وهذا يجعل الانتصار السياسي منفصلا عن حجم الضرر العسكري لا نافيا له.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي علي واعظ زاوية حدود القوة والكلفة، إذ يحذر مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية من أن التصعيد العسكري لا يحل أصل الأزمة، وأن استمرار الضغط قد يحول الحرب إلى صدمة اقتصادية أوسع، خصوصا مع ارتباطها بالنفط والملاحة.

 

اقتصاديا، واجهت إيران ضغطا داخليا قاسيا بسبب الضربات والعقوبات وتعطل الأعمال وتراجع الثقة، كما ساهمت الحرب في رفع أسعار النفط والوقود عالميا، وهذا يعني أن طهران استخدمت كلفة الطاقة كورقة قوة خارجية، لكنها تحملت في الداخل جزءا ثقيلا من اضطراب الحرب.

 

فاتورة حرب باهظة التكاليف تحملها ثلاثي الصراع

 

لكن ميزان الكلفة لا يعمل ضد إيران وحدها، فقد دفعت أمريكا مليارات الدولارات في العمليات العسكرية والحماية البحرية، وواجه المستهلك الأمريكي ارتفاعا واضحا في أسعار الوقود، كما تكبدت إسرائيل خسائر أمنية واقتصادية بسبب الصواريخ وحالة الطوارئ وتعطل النشاط خلال أسابيع المواجهة.

 

وهكذا تبدو النتيجة الأقرب أن إيران ربحت سياسيا لأنها منعت خصومها من إعلان هزيمتها، وحافظت على موقعها التفاوضي، وفرضت كلفة إقليمية ودولية على الحرب، لكنها خسرت بشريا وعسكريا واقتصاديا بما يمنع تحويل النصر السياسي إلى انتصار شامل بلا تحفظات.

 

وتبقى الخلاصة أن انتصارات إيران السياسية عوضت جزءا مهما من خسائرها العسكرية، لكنها لم تمح الفاتورة التي دفعها الإيرانيون، فقد خرجت طهران أقوى تفاوضيا مما أراد خصومها، وأثقل داخليا مما تعترف به بياناتها، وبين الصورتين يقف ميزان الحرب الحقيقي.