حذرت مؤشرات الأمن الغذائي في لبنان من اتساع خطر الجوع ليطال أكثر من مليون شخص بعد تدمير واسع في القطاع الزراعي وتوقف 80% من المزارعين عن العمل، بما يضع البلاد أمام أزمة غذاء مباشرة لا تقف عند نقص المحاصيل بل تمتد إلى قدرة الأسر على تأمين وجباتها اليومية.
وتكشف الأزمة أن الحرب لم تضرب الحدود وحدها، بل ضربت مصدر الطعام في بلد يستورد معظم احتياجاته ويفتقر إلى حماية حكومية جدية للريف المنتج، لذلك تتحول خسائر الزراعة وتلوث التربة ونزوح العمال إلى مسار واضح نحو مجاعة لا تصنعها الطبيعة بل تصنعها الحرب والعجز السياسي.
مليون شخص أمام انعدام غذائي حاد
تبدأ زاوية المجاعة من الرقم الأخطر في الأزمة، حيث يواجه أكثر من مليون شخص خطر انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهو ما يعني أن الأسر لا تعاني فقط من ارتفاع الأسعار، بل تدخل مرحلة العجز عن الحصول المنتظم على غذاء كاف وآمن في ظل تراجع الإنتاج المحلي.
وبحسب مؤشرات الأمن الغذائي، يرتبط هذا الخطر بتوسع النزوح وتراجع الدخل وتعطل الزراعة وارتفاع تكلفة الاستيراد، وهي عوامل تضغط في وقت واحد على الأسرة اللبنانية، فتقلل القدرة الشرائية وتدفع الفئات الأضعف إلى تقليل الوجبات أو الاعتماد على الديون والمساعدات.
في هذا السياق، تخدم قراءة رامي زريق أستاذ السياسات الزراعية في الجامعة الأمريكية في بيروت محور المجاعة، لأنه حذر مرارًا من هشاشة النظام الغذائي اللبناني واعتماده الواسع على الاستيراد، وهي هشاشة تجعل أي ضربة للإنتاج المحلي تتحول سريعًا إلى أزمة غذاء ومعيشة.
لذلك لا تبدو المجاعة احتمالًا بعيدًا عندما يتوقف المزارع عن إنتاج الغذاء ويصبح المستهلك عاجزًا عن شرائه، لأن السوق وحده لا يطعم الناس في بلد فقد عملته وقدرته الشرائية وشبكات الحماية، بينما تتحرك الحكومة بمنطق الإغاثة المتأخرة لا الوقاية المبكرة.
تدمير الزراعة يقطع خط الغذاء المحلي
وتتفاقم الأزمة مع تضرر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وخروج عدد كبير من المزارعين من دورة الإنتاج، لأن الحقل الذي لا يزرع اليوم سيعني محصولًا مفقودًا غدًا وأسعارًا أعلى لاحقًا، وهذا يجعل تدمير الزراعة مقدمة مباشرة لنقص الغذاء لا خسارة قطاعية معزولة.
كما تجاوزت خسائر القطاع الزراعي حاجز مليار دولار وفق تقديرات مرتبطة بتدمير المحاصيل والماشية وتعطل العمالة وإعادة التأهيل، وهي خسائر تكشف أن الأزمة لا تخص موسمًا واحدًا، بل تضرب قدرة لبنان على إنتاج غذائه خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا، يقدم هادي جعفر أستاذ الزراعة في الجامعة الأمريكية في بيروت وظيفة توثيقية مهمة، إذ استخدم صور الأقمار الصناعية لرصد اتساع الحرائق في الجنوب، وربط تدمير الأراضي والغابات والبساتين بتراجع قدرة المجتمعات الريفية على العودة السريعة إلى الإنتاج.
وبناء على ذلك، يصبح توقف 80% من المزارعين عن العمل مؤشرًا مباشرًا على مسار الجوع، لأن لبنان لا يخسر هنا مهنة تقليدية فقط، بل يخسر شبكة إنتاج يومية كانت توفر الخضراوات والزيتون والحمضيات والتبغ والدخل، وتخفف اعتماد البلاد على الاستيراد المكلف.
الفسفور الأبيض يهدد الزراعة لسنوات
تزداد خطورة المجاعة عندما يتلوث مصدر الغذاء نفسه، لأن استخدام الفسفور الأبيض في مناطق زراعية جنوبية لا يترك ضرره عند لحظة القصف، بل يزرع الخوف من العودة إلى الحقول ويجعل فحص التربة وتطهير الأرض شرطًا سابقًا لأي إنتاج آمن.
وقد وثقت منظمات حقوقية استخدام الفسفور الأبيض في بلدات بجنوب لبنان، بما تسبب في حرائق ومخاطر على المدنيين والحقول، وهذا يعني أن الأزمة الغذائية لا ترتبط فقط بنقص المال أو توقف العمل، بل بسلامة الأرض التي يفترض أن تنتج الغذاء.
في هذا المحور، تقدم لاما فقيه من هيومن رايتس ووتش شهادة حقوقية تخدم زاوية المجاعة، لأنها ربطت استخدام الفسفور الأبيض بالنزوح القسري والخطر على المدنيين، وهو ربط يوضح كيف يتحول السلاح الحارق إلى أداة لطرد الناس من مصادر طعامهم ودخلهم.
لذلك تحتاج مواجهة المجاعة إلى ما هو أبعد من توزيع مساعدات غذائية مؤقتة، لأن الدولة مطالبة بفحص التربة وإزالة الذخائر وتعويض المزارعين وتمويل العودة إلى الإنتاج، وإلا فإن لبنان سيشتري الغذاء بالدين اليوم ثم يواجه جوعًا أعمق عندما يعجز عن الشراء غدًا.
وفي النهاية، لا يهدد الجوع لبنان بسبب نقص الطعام عالميًا فقط، بل بسبب ضرب الأرض التي تنتجه وترك المزارعين بلا حماية وترك الفقراء أمام أسعار لا يقدرون عليها، وإذا واصلت الحكومة إدارة الملف بمنطق الانتظار فإن المجاعة ستخرج من خانة التحذير إلى خانة الواقع الموثق.

