كشف حريق شقة سكنية في الطابق الخامس بشارع مصدق بمنطقة الدقي في الجيزة يوم 5 مايو 2026 عن أزمة متكررة في تأمين العقارات السكنية، بعدما تلقت شرطة النجدة بلاغًا بالواقعة، وانتقلت قوات الحماية المدنية بعدد من سيارات الإطفاء لمحاصرة النيران قبل امتدادها إلى الوحدات المجاورة.
وأظهر الحادث أن التعامل الرسمي لا يزال يبدأ غالبًا بعد تصاعد ألسنة اللهب، لا قبلها، فالشقة المحترقة تحولت في دقائق إلى تهديد لعقار كامل، بينما بقيت الأسئلة الأساسية معلقة حول صيانة شبكات الكهرباء، ومخارج الهروب، ووجود أدوات إطفاء داخل المبنى، وهي أسئلة لا يجب أن تظهر فقط بعد كل حريق.
بلاغ عاجل وحريق في طابق مرتفع
أوضح البلاغ الأولي أن الحريق نشب داخل وحدة سكنية بالطابق الخامس في شارع مصدق، وهو موقع مزدحم بطبيعته داخل منطقة الدقي، لذلك تحركت قوات الحماية المدنية إلى المكان لمحاصرة مصدر النيران ومنع انتقالها إلى باقي الشقق، خاصة أن ارتفاع الطابق يزيد صعوبة التعامل السريع مع الأدخنة واللهب.
ولفت انتقال سيارات الإطفاء إلى أن الخطر لم يكن محدودًا داخل غرفة مغلقة فقط، بل كان مرشحًا للامتداد داخل العقار إذا تأخر التدخل أو تعذر الوصول إلى مصدر النيران، فحرائق الشقق في الطوابق المرتفعة تحتاج ممرات خالية، وسلالم صالحة للإخلاء، وتعاونًا سريعًا من السكان حتى لا تتحول الواقعة إلى مأساة.
وفي ظل استمرار عمليات حصر التلفيات، لم تعلن الجهات المختصة حتى الآن سببًا نهائيًا للحريق أو حجم الخسائر، ولذلك تبقى المعاينة الفنية هي الفاصل بين الاحتمالات، لكن تأخر إعلان الأسباب لا يلغي أن العقارات السكنية تحتاج مراجعة دورية لا تنتظر محضر الشرطة أو تقرير المعمل الجنائي بعد وقوع الضرر.
خبراء يحذرون من الكهرباء والغاز وسوء الصيانة
يرى اللواء ممدوح عبد القادر، مدير الحماية المدنية الأسبق، أن أخطر مصادر الحرائق داخل المنازل ترتبط غالبًا بالغاز والكهرباء، وأن سوء التوصيلات واستخدام خامات غير مطابقة للمواصفات يرفعان احتمالات الاشتعال، وهو تحذير يضع مسؤولية مباشرة على السكان وملاك العقارات والجهات الرقابية في الوقت نفسه.
كما يرى اللواء أيمن السيد الأهل، خبير الحماية المدنية وتأمين المنشآت، أن ارتفاع درجات الحرارة ليس سببًا مباشرًا للحريق بقدر ما يكشف خللًا داخليًا في الشبكات الكهربائية وتراكم الأحمال على الأجهزة دون صيانة، وهو تفسير مهم لأن تحميل المسؤولية للطقس وحده يهرب من أصل المشكلة داخل المبنى.
ويؤكد المهندس محمد كمال، خبير السلامة المهنية، أن غياب شروط الأمن الصناعي والسلامة المهنية يفتح الباب لكوارث مستقبلية، لأن السلامة ليست لافتة إدارية بل إجراءات وقائية تحفظ الإنسان والممتلكات، وهذا المعنى ينطبق على العقارات السكنية التي يتعامل معها البعض كمساحات خاصة معزولة عن الرقابة العامة.
الحريق نتيجة محتملة لا خلل مفاجئ فقط
وأوضح هذا التسلسل أن الحريق لا يبدأ دائمًا بلحظة اشتعال مفاجئة، بل قد يبدأ قبلها بسنوات من أسلاك ضعيفة، ومشتركات رديئة، وأجهزة تعمل فوق قدرتها، وغياب طفايات الحريق، وإغلاق الممرات، وترك السكان بلا تدريب بسيط على الإخلاء، ثم تظهر الكارثة عندما يتجمع كل هذا الإهمال في دقيقة واحدة.
وفي موازاة ذلك، تكشف الحرائق المتكررة داخل الشقق أن ثقافة السلامة المنزلية لا تزال هامشية، فالكثير من العقارات لا تملك خطة إخلاء، ولا تعرف أسرها أماكن فصل الكهرباء والغاز، ولا توجد مراجعة واضحة لمداخل العمارات وسلالمها، بينما تتحرك الرقابة غالبًا بعد البلاغ لا قبله.
وأشار خبراء السلامة إلى أن الوقاية تبدأ من إجراءات بسيطة، منها صيانة الأسلاك بشكل دوري، وعدم تشغيل أكثر من جهاز على مشترك واحد، وفصل التيار عند الشك في وجود تسرب غاز، وعدم ترك الأجهزة تعمل أثناء النوم، لكن هذه الإجراءات تفقد قيمتها عندما تغيب الحملات الرقابية والتوعية المستمرة داخل الأحياء.
واخيرا يبين حريق شارع مصدق أن النجاة لا يجب أن تظل مرتبطة بسرعة سيارات الإطفاء وحدها، لأن الدولة التي تنتظر البلاغ لتتحرك تترك السكان أمام الخطر حتى اللحظة الأخيرة، والمطلوب ليس محضرًا جديدًا بعد كل حريق، بل رقابة مسبقة على العقارات، وصيانة إلزامية للشبكات، ومحاسبة واضحة لكل تقصير يهدد حياة الناس.

