كشفت مصادر في سوق الإلكترونيات بمصر أن 4 شركات عالمية هي هونر وريلمي وفيفو وأوبو أرجأت خطط تصنيع الحاسبات المحمولة والأجهزة اللوحية محليا إلى عام 2027 بدلا من العام الجاري، بعد ارتفاع تكلفة الإنتاج وتراجع الطلب، بما يضرب رواية الحكومة عن جاهزية مصر لتوطين صناعة الإلكترونيات.
تضع هذه الخطوة ملف الصناعة أمام نتيجة سياسية واقتصادية مباشرة، لأن الشركات لم تؤجل مشروعا هامشيا بل جمدت انتقالا كان يفترض أن ينقل السوق من الاستيراد إلى الإنتاج، بينما يدفع المستهلك ثمن ضعف الجنيه وارتفاع الوقود والأجور والنقل، وتكتفي الحكومة بإعلانات التوطين دون معالجة تكلفة التشغيل.
ارتفاع التكلفة يطرد خطط التصنيع
في البداية، ربطت المصادر قرار التأجيل بزيادة تكلفة مستلزمات التصنيع بنسبة تتراوح بين 12% و15%، بسبب ارتفاع سعر الدولار وزيادة أجور العمالة وتكاليف النقل بعد تحريك أسعار الوقود، وهي عوامل جعلت خطوط الإنتاج الجديدة مخاطرة أكبر من قدرة السوق المحلية الحالية على الاحتمال.
وبسبب هذه الزيادة، فضلت الشركات الأربع تأجيل التصنيع بدلا من ضخ استثمارات في أجهزة لا يضمن السوق بيعها، لأن تكلفة المكونات المستوردة تتحرك مع الدولار، ولأن تكلفة النقل والطاقة تضيف عبئا جديدا على المنتج قبل وصوله إلى المستهلك الذي يعاني أصلا من تراجع قدرته الشرائية.
ثم جاءت بيانات أخرى لتؤكد أن صدمة التكلفة ليست محصورة في الإلكترونيات، فقد ذكرت الشرق أن قطاعات صناعية في مصر واجهت زيادات في تكاليف الإنتاج وصلت إلى 35% خلال الربع الأول من 2026 بسبب سعر الصرف وزيادات الطاقة، وهذا يفسر تراجع شهية المستثمرين.
في السياق نفسه، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن أزمة توافر العملة الصعبة قد تكون خفت، لكن الثقة وتكلفة الإنتاج ما زالتا تمنعان انعكاس ذلك على الأسعار، وهذه القراءة تضع قرار الشركات داخل أزمة هيكلية لا داخل قرار تجاري عابر.
سوق صغير لا يغري المصانع
بعد ذلك، تكشف أرقام السوق أن الحاسبات المحمولة والأجهزة اللوحية لا تشبه سوق الهواتف المحمولة في مصر، إذ تشير التقديرات إلى مبيعات سنوية بين 500 و600 ألف جهاز فقط، منها نحو 150 ألف حاسب محمول، وجميعها مستوردة، وهو حجم لا يغطي تكلفة تصنيع واسعة.
ولهذا السبب، لا تمثل هذه الفئة أولوية للشركات مقارنة بالهواتف المحمولة، لأن الحكومة نفسها أعلنت دخول 15 علامة تجارية إلى تصنيع الهواتف محليا بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنويا، وهو رقم يفوق احتياج السوق المحلي وفق بيان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
كما أن وزارة الاتصالات قالت إن مصر صنعت 10 ملايين هاتف محمول خلال 2025 مقارنة بـ3.2 مليون وحدة في 2024، وذكرت أن الطاقة القصوى لمصانع الهواتف تصل إلى 20 مليون وحدة سنويا، لكن هذه الأرقام لا تنفي عجز الدولة عن نقل التجربة إلى أجهزة أقل طلبا.
وعلى هذا الأساس، تبدو تجربة ريلمي السابقة في طرح جهاز لوحي دليلا عمليا على ضعف الانتشار، لأن الشركة اختبرت الطلب ولم تجد سوقا كافيا يدعم التوسع الصناعي، بينما فضلت شركات مثل شاومي حصر تركيزها في الهواتف المحمولة باعتبارها الفئة الأسرع حركة وربحية داخل مصر.
من ناحية أخرى، قال محمد طلعت رئيس شعبة المحمول والاتصالات إن أسعار الهواتف في مصر أعلى كثيرا من أسواق خليجية، وربط ذلك بعوامل تكلفة ورسوم وسوق، وهذا التصريح يوضح أن مشكلة التسعير تضغط حتى على المنتج الأكثر طلبا، فكيف بمنتجات أضعف انتشارا.
الرسوم تصنع حماية انتقائية وتترك المستورد أقوى
في المقابل، تظهر السياسة الجمركية تناقضا واضحا في ملف التوطين، لأن الهواتف المحمولة المستوردة تخضع لرسوم تصل إلى 38.5%، بينما يسهل دخول الحاسبات المحمولة والأجهزة اللوحية دون رسوم مرتفعة مماثلة، فتظل الأجهزة المستوردة أكثر قدرة على منافسة أي منتج محلي جديد.
لذلك، لا تواجه الشركات حافزا كافيا لبناء خطوط إنتاج محلية لهذه الأجهزة، لأن المنتج المستورد يدخل بتكلفة أقل نسبيا، بينما المنتج المحلي يتحمل الدولار والمستلزمات والطاقة والنقل والأجور، ثم يدخل في منافسة سعرية مع مستورد لا تعاقبه المنظومة الجمركية بنفس القسوة.
وعلى الرغم من حديث الحكومة عن نجاح نظام حوكمة الهواتف المحمولة في دعم التصنيع المحلي، فإن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أعلن إنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف المحمولة المستوردة بعد دخول 15 علامة تجارية للتصنيع المحلي، وهذا يثبت أن الدولة استخدمت الحماية في الهواتف ولم توفر معادلة مماثلة للأجهزة الأخرى.
في هذا الإطار، كتب الباحث الاقتصادي عمرو عادلي عن جدل التصدير والتنمية، وركز على أولوية الكيف على الكم في السياسات الصناعية، وتصلح هذه الفكرة لقراءة المشهد الحالي، لأن عدد المصانع أو العلامات لا يكفي عندما تعجز السياسة عن بناء طلب محلي وسلاسل توريد مستقرة.
لاحقا، سيظل عام 2027 موعدا مؤجلا لا ضمانة استثمارية، لأن عودة الشركات ستتوقف على تحسن الطلب واستقرار التكلفة وزيادة انتشار العلامات التجارية، بينما لم تقدم الحكومة حتى الآن ما يثبت أن سعر الصرف والطاقة والنقل والرسوم ستتحول إلى عناصر دعم بدلا من عناصر طرد.
وبذلك، يكشف تأجيل هونر وريلمي وفيفو وأوبو أن خطاب توطين الإلكترونيات سبق قدرة السوق، وأن الحكومة نجحت في إنتاج عناوين عن مصانع الهواتف لكنها فشلت في بناء بيئة تصنيع متماسكة للأجهزة الأوسع قيمة، والنتيجة أن مصر ستبقى مستوردة للحاسبات والأجهزة اللوحية حتى إشعار اقتصادي مختلف.

