حذر الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، من موجة تقلبات مناخية حادة تضرب مصر خلال الفترة من السبت 2 مايو حتى الاثنين 4 مايو 2026، مؤكدا أن البلاد ستشهد انتقالات سريعة بين حرارة قياسية ورياح خماسينية مثيرة للأتربة وفرص أمطار وانخفاض مفاجئ في درجات الحرارة، وهو ما يضع القطاع الزراعي أمام واحدة من أكثر الفترات حساسية خلال الموسم الحالي.

 

وتأتي هذه التحذيرات في وقت يواجه فيه المزارعون ضغوطا متراكمة بسبب ارتفاع تكاليف الزراعة والأسمدة والطاقة والري، ما يجعل أي اضطراب مناخي مفاجئ عبئا إضافيا على المحاصيل والدخل الزراعي. فالمشكلة لا تتعلق بتغير في الطقس فقط، بل بقدرة المزارع على حماية النبات في ظل تكاليف مرتفعة وإرشاد زراعي محدود وخسائر قد تظهر سريعا في التزهير والعقد والإثمار.

 

السبت ذروة الحرارة ورياح الخماسين

 

تشير التحذيرات إلى أن يوم السبت 2 مايو يمثل ذروة الموجة الحارة، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات الأربعينيات، خصوصا في جنوب البلاد، بالتزامن مع نشاط قوي للرياح الخماسينية. ووفق ما ذكره فهيم، فإن سرعة الرياح قد تتراوح بين 40 و50 كيلومترا في الساعة، مع هبات قد تتجاوز 70 كيلومترا في بعض المناطق، وهو ما يزيد فرص إثارة الأتربة ويؤثر مباشرة على الزراعات المكشوفة.

 

وتزيد خطورة هذا اليوم لأن ارتفاع الحرارة لا يأتي منفردا، بل يصاحبه جفاف ورياح محملة بالأتربة، وهي تركيبة تضغط على النبات وتزيد فقد المياه من التربة والأوراق. وفي مثل هذه الظروف، تصبح عمليات الري والرش والتسميد أكثر حساسية، لأن أي تدخل زراعي في توقيت غير مناسب قد يضاعف الضرر بدلا من تقليل تأثير الموجة.

 

كما تتزامن الحرارة المرتفعة مع فرص سقوط أمطار على السواحل الشمالية، وقد تمتد إلى بعض المناطق الداخلية، مع احتمال محدود لتكون سحب رعدية. ويعني ذلك أن المزارع لا يتعامل مع نمط جوي واضح ومستقر، بل مع انتقالات متضادة داخل وقت قصير، من حرارة شديدة إلى رياح وأتربة ثم أمطار محتملة.

 

وأكدت الهيئة العامة للأرصاد الجوية وجود تقلبات جوية حادة على أغلب أنحاء الجمهورية، مع ارتفاع قياسي في درجات الحرارة ونشاط للرياح وتحذيرات من اضطراب الرؤية الأفقية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات مركز معلومات تغير المناخ بشأن خطورة هذه الفترة على الزراعة والنباتات.

 

الأحد والاثنين انكسار حراري سريع

 

بعد ذروة السبت، تبدأ الموجة في الانكسار يوم الأحد 3 مايو، مع انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة على المناطق الشمالية وحتى شمال الصعيد. ورغم هذا الانخفاض، يستمر نشاط الرياح وتظل فرص الأمطار الخفيفة قائمة، ما يجعل اليوم مرحلة انتقالية لا تقل حساسية عن يوم الذروة، لأن النبات ينتقل من إجهاد حراري مرتفع إلى برودة نسبية خلال فترة قصيرة.

 

ويحمل هذا الانخفاض السريع خطرا واضحا على المحاصيل التي تكون في مراحل التزهير أو العقد أو بداية الإثمار، لأن التذبذب الحراري يربك العمليات الفسيولوجية داخل النبات. فالنبات لا يتأثر فقط بدرجة الحرارة القصوى، بل يتأثر أيضا بسرعة الانتقال بين الحرارة والبرودة، خصوصا عندما يحدث ذلك خلال 48 أو 72 ساعة.

 

أما يوم الاثنين 4 مايو، فتشير التوقعات إلى استقرار نسبي في الأحوال الجوية وعودة الأجواء المعتدلة نهارا، مع انخفاض واضح في درجات الحرارة ليلا. ويمنح هذا الاستقرار النسبي فرصة أفضل لتنفيذ بعض العمليات الزراعية المؤجلة، لكنه لا يلغي ضرورة الحذر، لأن أثر الإجهاد الحراري قد يستمر داخل النبات بعد انتهاء الموجة الجوية نفسها.

 

ويستخدم فهيم وصف “أيام البسترة الحرارية” للتعبير عن صدمة مناخية سريعة، حيث تمر النباتات بحالة تشبه التعرض المتتالي لدرجات حرارة مرتفعة ثم تغير مفاجئ في الظروف الجوية. وهذا الوصف يوضح حجم القلق الزراعي، لأن المشكلة لا تقف عند يوم حار أو ليلة باردة، بل تمتد إلى سلسلة تغيرات متلاحقة تضغط على المحاصيل.

 

توصيات عاجلة لحماية المحاصيل

 

تركز التحذيرات الزراعية على ضرورة تجنب الرش أثناء نشاط الرياح، لأن الرياح القوية تقلل كفاءة الرش وتزيد فقد المبيدات أو المغذيات، كما قد تنقل الرذاذ بعيدا عن النبات المستهدف. ولذلك يصبح تأجيل الرش خلال فترات الهبات القوية إجراء ضروريا لتقليل الخسائر المالية والزراعية في الوقت نفسه.

 

كما نصح فهيم بعدم تنفيذ الري وقت الظهيرة، لأن الري في ساعات الحرارة الشديدة قد يزيد إجهاد النبات ولا يحقق الاستفادة المطلوبة. وبدلا من ذلك، يوصي بالري في الصباح الباكر أو ليلا، حتى تستطيع النباتات امتصاص المياه بصورة أفضل، وحتى لا تتعرض الجذور والمجموع الخضري لصدمة إضافية خلال ذروة الحرارة.

 

وتشمل التوصيات دعم النباتات بعناصر البوتاسيوم والفوسفور، لأن هذه العناصر تساعد النبات على تحمل الإجهاد وتحسين قدرته على استكمال عمليات التزهير والعقد والإثمار. وفي المقابل، يوصي التحذير بتأجيل التسميد الورقي ونقل الشتلات حتى تستقر الأحوال الجوية، لأن الشتلات الصغيرة تكون أكثر تأثرا بالتقلبات الحادة.

 

وتكمن خطورة هذه الموجة في أنها قد تؤدي إلى إجهاد فسيولوجي شديد للنباتات، واضطراب امتصاص العناصر الغذائية، وزيادة تساقط العقد، وضعف التزهير والإثمار، إضافة إلى ارتفاع فرص الإصابة بالآفات والأمراض. وهذه النتائج تضرب إنتاجية المحاصيل مباشرة، خصوصا إذا تعامل المزارع مع الموجة باعتبارها تغيرا عابرا لا يحتاج إلى تعديل في مواعيد الخدمة الزراعية.

 

في النهاية، تكشف موجة “البسترة الحرارية” أن الزراعة المصرية أصبحت أكثر عرضة لتقلبات مناخية سريعة ومكلفة، وأن حماية المحاصيل لم تعد مرتبطة بخبرة المزارع وحدها، بل تحتاج إلى إنذار مبكر فعال وإرشاد واضح ودعم حقيقي لتقليل الخسائر. فالحرارة والرياح والأمطار والبرودة خلال 3 أيام ليست مجرد حالة طقس، بل اختبار مباشر لقدرة الدولة والمزارعين على التعامل مع مناخ يتغير بسرعة أكبر من قدرة الحقول على الاحتمال.