كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر وصول عدد المتعطلين خلال عام 2025 إلى نحو 2.15 مليون شخص، مع استقرار معدل البطالة العام عند 6.3%، بينما أظهرت التفاصيل أن أزمة توظيف الخريجين تضرب الفئات الأكثر تعليما وتكشف نتيجة مباشرة لفشل الحكومة في ربط التعليم بسوق العمل.

 

ويأتي هذا الرقم في سياق سياسي واجتماعي يضع حكومة السيسي أمام مسؤولية واضحة، لأن الدولة التي توسع الجامعات وتعلن مشروعات كبرى لا توفر مسارا منظما للخريجين نحو العمل المنتج، كما أن استمرار البطالة بين أصحاب المؤهلات يحول الشهادة الجامعية إلى عبء اقتصادي على الأسر والشباب.

 

شهادات بلا فرص وسوق يرفض خريجي الجامعات

 

في المقابل، أظهرت الأرقام أن الحاصلين على شهادات جامعية يمثلون 45% من إجمالي المتعطلين، وهي النسبة الأعلى بين الفئات التعليمية، لذلك لا يمكن قراءة تراجع المعدل العام للبطالة باعتباره نجاحا حكوميا كاملا، لأن مركز الأزمة يوجد تحديدا عند الخريجين الذين أنفقت أسرهم سنوات طويلة على التعليم.

 

كما سجلت شريحة المؤهلات المتوسطة 37.1% من إجمالي المتعطلين، بينما توقفت نسبة الأقل من المتوسط عند 17.9%، وهذا الترتيب يكشف أن سوق العمل المصري لا يكافئ التعليم بالضرورة، بل يدفع قطاعات واسعة من الشباب إلى انتظار وظائف لا تنتجها السياسات الاقتصادية القائمة.

 

لذلك يرى الخبير الاقتصادي راغوي أسعد في دراساته عن سوق العمل المصري أن ارتفاع بطالة خريجي التعليم العالي يعكس فجوة بين مخرجات الجامعات واحتياجات السوق، وهذه الفجوة لا تتحملها الجامعات وحدها، لأن الاقتصاد نفسه لا يخلق وظائف حديثة تكفي أعداد الداخلين الجدد.

 

وبناء على ذلك، تتحول أزمة توظيف الخريجين إلى مؤشر على خلل أعمق في إدارة الدولة للموارد البشرية، لأن الحكومة تركز على أرقام البطالة العامة وتترك تفاصيل التعليم والنوع والمكان تكشف واقعا مختلفا، حيث تتراكم الشهادات في البيوت بينما يتحرك السوق نحو أعمال غير مستقرة أو منخفضة الأجر.

 

المدن تدفع ثمن التشبع والريف يخفي البطالة الهشة

 

في الوقت نفسه، رفعت المناطق الحضرية جرس إنذار واضحا بعد وصول معدل التعطل فيها إلى 9.8%، مقابل 3.5% فقط في الريف، وهذا الفارق لا يعني أن القرى تعيش انتعاشا حقيقيا، بل يعني أن العمل غير المنتظم والزراعة والأنشطة العائلية تمتص جزءا من الأزمة خارج السجلات الرسمية.

 

ثم تكشف هذه المفارقة أن المدن المصرية لم تعد قادرة على استيعاب خريجي الجامعات والمعاهد، لأن الوظائف الإدارية والخدمية الرسمية تشبعت، بينما لم تنجح الحكومة في بناء قاعدة صناعية أو تكنولوجية واسعة تفتح مسارات مستقرة أمام الشباب الباحثين عن عمل لائق.

 

وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة كارولين كرافت في أبحاثها عن سوق العمل المصري أن عدم التوافق بين المهارات والوظائف لا يرتبط بالعرض التعليمي فقط، لأن الطلب على العمالة تغير تحت ضغط بنية اقتصادية لا توفر فرصا كافية للمتعلمين ولا تحفز القطاع الخاص الرسمي على التوسع.

 

ومن ثم، يصبح الفارق بين الحضر والريف دليلا على فشل سياسة التشغيل وليس دليلا على تحسن سوق العمل، لأن الريف يخفي جزءا من البطالة داخل أعمال موسمية أو أسرية، بينما تكشف المدن الأزمة بصورة مباشرة بسبب اعتمادها على الوظائف النظامية التي لا تنمو بالقدر المطلوب.

 

النساء في مقدمة المتعطلين وسياسات التشغيل تزيد الإقصاء

 

على مستوى النوع، تمثل الإناث 53% من إجمالي المتعطلين مقابل 47% للذكور، وهذه النسبة تضع النساء في قلب أزمة توظيف الخريجين، لأن الفجوة لا تتعلق فقط بعدد الوظائف، بل تتعلق أيضا بشروط العمل والأجور والأمان والتنقل ورعاية الأطفال داخل المدن والقرى.

 

بعد ذلك، تكشف بيانات البطالة بين النساء أن الحكومة لم تنجح في تحويل تعليم الفتيات إلى مشاركة اقتصادية عادلة، لأن الخريجات يدخلن سوقا يفضل الذكور في قطاعات كثيرة، كما أن القطاع الخاص الرسمي لا يقدم حماية كافية تجعل العمل خيارا قابلا للاستمرار بالنسبة للنساء.

 

وتشير الباحثة رنا هندي في دراستها عن مشاركة النساء في سوق العمل المصري إلى أن انخفاض مشاركة المرأة يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وبنية قطاعات العمل، وهذا المعنى يفسر لماذا تظهر النساء في صدارة المتعطلين رغم ارتفاع مستويات التعليم بين شرائح واسعة منهن.

 

لذلك لا تبدو أزمة البطالة مجرد رقم سنوي تعلنه الحكومة في نهاية النشرة، بل تبدو حصيلة سياسة اقتصادية لا تنتج عملا لائقا، وسياسة تعليمية لا تربط الشهادة بالمهارة، وسياسة اجتماعية تترك النساء والخريجين وسكان المدن في مواجهة سوق ضيق وغير عادل.

 

وفي النهاية، تكشف أرقام 2025 أن تراجع معدل البطالة العام إلى 6.3% لا يغلق ملف أزمة توظيف الخريجين، لأن 2.15 مليون متعطل يمثلون وجها واضحا لفشل حكومي مستمر، كما أن تمركز البطالة بين الجامعيين والنساء والحضر يؤكد أن المشكلة في بنية التشغيل لا في رغبة الشباب في العمل.