كشفت منظمات حقوقية فلسطينية ودولية في رام الله وغزة والقدس المحتلة عن تصاعد غير مسبوق في جرائم التعذيب والاعتقال الإداري بحق الأسرى الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023، وأكدت تقارير موثقة أن السلطات الإسرائيلية وسعت منظومة السجون لتشمل الضرب والصعق والحرمان الطبي والعنف الجنسي واحتجاز الجثامين، بما يرسخ سياسة رسمية لكسر المعتقلين وذويهم.

 

وتأتي هذه الوقائع مع اندفاع الحكومة الإسرائيلية إلى تشريع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وهو مسار سياسي لا يفصل بين الزنزانة والبرلمان، لأن حكومة بنيامين نتنياهو منحت إيتمار بن غفير مساحة أوسع لإدارة الانتقام داخل السجون، ثم نقلت هذا الانتقام إلى نص قانوني يستهدف الفلسطينيين تحت غطاء الأمن.

 

الاعتقال الإداري واحتجاز الجثامين كأدوات عقاب جماعي

 

في البداية، يتعرض الأسرى الفلسطينيون لاعتقال إداري يفتقر إلى لائحة اتهام واضحة أو محاكمة عادلة، وقد زادت السلطات الإسرائيلية استخدام هذا الإجراء بعد العمليات العسكرية ضد قطاع غزة، لذلك صار الاعتقال المفتوح وسيلة لإبقاء آلاف الفلسطينيين خارج أي رقابة قضائية جدية أو حماية قانونية فعالة.

 

وبعد ذلك، امتدت سياسة التنكيل إلى جثامين الشهداء من المعتقلين، حيث تحتجز السلطات الإسرائيلية الجثامين وتبقي بعضها في مقابر الأرقام أو مواقع سرية، وبذلك يعاقب الاحتلال العائلة بعد قتل أو وفاة الأسير، ويحرم ذويه من الدفن ومن معرفة ظروف الوفاة ومن ممارسة حق إنساني وشرعي واضح.

 

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث فراس أبو هلال في مؤلفه عن معاناة الأسرى الفلسطينيين أن إدارة السجن تحاول تحويل المعتقل إلى رقم منفصل عن قضيته وعن عائلته، وهذا التوصيف يفسر كيف تبدأ عملية العزل من لحظة الاعتقال الأولى ثم تستمر بعد الإفراج عبر الملاحقة والتهديد وإعادة الاعتقال.

 

لذلك لا تقف المعاناة عند باب السجن، لأن سلطات الاحتلال تستهدف الأسير السابق وعائلته بعد خروجه، وتعيد اقتحام البيوت وتفرض التهديدات وتمنع الاحتفالات الشعبية، كما تؤكد مؤسسات الأسرى أن هذه السياسة تربط الزنزانة بالمجتمع وتستخدم الخوف لإضعاف التضامن مع قضية الأسرى الفلسطينيين.

 

الشاباك والقضاء يصنعان غطاء التعذيب المنظم

 

لاحقا، تحول جهاز الأمن العام الشاباك إلى أداة مركزية في تثبيت التعذيب تحت غطاء قانوني، حيث كشفت لجنة لاندو عام 1987 أن محققي الجهاز ضللوا المحاكم لسنوات طويلة، ثم فتحت قضية الضابط عزات نفسو ملف الاعترافات المنتزعة تحت الضغط وأظهرت دور القضاء في تمرير الروايات الأمنية.

 

وبالتزامن، وثقت تقارير بتسيلم واللجنة العامة لمناهضة التعذيب أساليب قاسية تشمل الحرمان من النوم لفترات طويلة وتغطية الرأس بأكياس قماشية ملوثة واستخدام وضعية الشبح وتقييد الأيدي في أوضاع مؤلمة، كما أوردت شهادات عن ضرب مبرح يسبب فقدان الوعي ويترك آثارا جسدية ونفسية ممتدة.

 

ومن جهة أخرى، منح اجتهاد القاضي أهارون باراك حول حالة القنبلة الموقوتة منفذا إضافيا للمحققين، لأن هذا الاستثناء أتاح لهم تبرير العنف بذريعة الخطر الوشيك، ثم توسعت الوسائل الخاصة لتشمل وضعيات مؤلمة مثل ركعة الضفدع رغم الحظر الدولي المطلق للتعذيب في حالات الاحتلال والنزاع.

 

وعلى هذا الأساس، ترى المحامية سحر فرنسيس مديرة مؤسسة الضمير سابقا أن قضية الأسرى الفلسطينيين لا تنفصل عن بنية السيطرة الإسرائيلية، لأن الاعتقال الإداري والتعذيب والعزل تستخدم كأدوات سياسية لكسر التنظيم الاجتماعي الفلسطيني، لا كإجراءات تحقيق محدودة أو استثنائية داخل ملف أمني عابر.

 

ومع ذلك، تؤكد بيانات حقوقية أن آلية مراقب شكاوى التحقيقات تلقت نحو 1200 شكوى عن التعذيب وسوء المعاملة خلال سنوات طويلة دون صدور لوائح اتهام بحق محققي الشاباك، وهذا الرقم يوثق حصانة عملية لا خطأ إداريا، ويكشف منظومة قضائية تمنح الجلاد فرصة تكرار الجريمة.

 

بعد أكتوبر قانون الإعدام يكمل مسار الزنازين

 

ثم تصاعدت الوحشية بعد 7 أكتوبر 2023، حيث وثق نادي الأسير الفلسطيني ومنظمات حقوقية شهادات عن اعتداءات جنسية واغتصاب وتعري قسري وصعق بالكهرباء، كما تحدث محررون عن استخدام الكلاب البوليسية لنهش أجساد معتقلين عراة وتصوير عمليات التعذيب بهدف الإذلال النفسي وكسر الإرادة.

 

وفي الاتجاه نفسه، أفاد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في مايو 2025 بأن أنماط المعاملة بحق معتقلي غزة ترقى إلى التعذيب وتدخل ضمن سياق جريمة الإبادة، واستند المركز إلى شهادات 100 معتقل سابق بينهم 10 نساء وزيارات قانونية إلى 53 معتقلا ما زالوا داخل السجون.

 

كما طالت الاعتداءات أسرى معروفين ونساء ومعتقلين محرومين من العلاج، وبينهم أسماء قيادية مثل مروان البرغوثي وفق إفادات مؤسسات الأسرى، بينما تستمر السلطات الإسرائيلية في منع رقابة دولية كافية وتقييد وصول الصليب الأحمر، وبذلك تتحول الرعاية الطبية إلى أداة ضغط إضافية على الأسرى الفلسطينيين.

 

وفي هذا الإطار، قال آدم كوغل نائب مدير قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش إن قانون الإعدام الإسرائيلي يرسخ التمييز ونظام عدالة مزدوجا، وقد جاء موقفه بعد تمرير الكنيست قانونا يسمح بإعدام فلسطينيين في الضفة المحتلة خلال 90 يوما وبإجراءات طعن محدودة.

 

وبناء على ذلك، لا يبدو قانون الإعدام خطوة منفصلة عن التعذيب داخل السجون، لأن إيتمار بن غفير دفع التشريع بدعم من حكومة نتنياهو وبمبادرة من ليمور سون هارميلخ، ثم حول العقوبة القصوى إلى رسالة سياسية تقول إن الفلسطيني لا يواجه قاضيا مستقلا بل منظومة عقاب كاملة.

 

في النهاية، تكشف الوقائع الموثقة أن الحكومة الإسرائيلية لا تدير سجونا عادية، بل تدير منظومة قمع تبدأ بالاعتقال الإداري وتستمر بالتعذيب والحرمان الطبي واحتجاز الجثامين وتنتهي بقانون الإعدام، ولذلك يبقى ملف الأسرى الفلسطينيين شاهدا مباشرا على سلطة تستخدم القانون لإخفاء الجريمة لا لمنعها.