قال المرشد الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي، الخميس 30 أبريل 2026، إن الولايات المتحدة تكبدت “هزيمة مخزية” في حربها على إيران، وذلك في رسالة مكتوبة تليت عبر التلفزيون الرسمي الإيراني بعد شهرين من الهجوم الجوي الذي أدى إلى مقتل والده وسلفه آية الله علي خامنئي في 28 فبراير الماضي، وفق ما نقلته وكالات وصحف دولية.
وجاءت رسالة خامنئي في توقيت شديد الحساسية، إذ ترتبط الأزمة الإيرانية الآن بثلاثة ملفات متداخلة: مصير الحرب التي تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، مستقبل المفاوضات النووية والصاروخية، وإدارة مضيق هرمز الذي تمر عبره حصة كبيرة من تجارة النفط العالمية، بينما دفعت المخاوف من الإمدادات أسعار خام برنت إلى مستويات تجاوزت 120 دولارا للبرميل في تداولات الخميس.
رسالة مكتوبة بدل الظهور العلني
اعتمد خامنئي في كلمته على رسالة مكتوبة، جرى بثها عبر التلفزيون الرسمي، كما يفعل منذ توليه المنصب بعد الهجوم الجوي الذي وقع في 28 فبراير الماضي. وذكرت تقارير أن مجتبى خامنئي أصيب بجروح شديدة في الهجوم نفسه الذي قتل والده، ما يفسر استمرار ظهوره السياسي عبر بيانات مكتوبة لا عبر خطابات جماهيرية مباشرة.
وقال خامنئي في رسالته: “اليوم، وبعد شهرين من أكبر تحرك عسكري واعتداء من قبل القوى المتغطرسة في المنطقة وهزيمة أمريكا المخزية، تتشكل مرحلة جديدة للخليج ومضيق هرمز”، بحسب ما نقلته رويترز وصحف عربية. واستخدمت الرسالة لغة انتصار واضحة، إذ أرادت طهران تقديم استمرارها في التحكم بمسار الأزمة بوصفه دليلا على فشل الضغوط العسكرية الأمريكية.
ويبدو أن القيادة الإيرانية الجديدة تحاول تثبيت شرعيتها الداخلية من خلال خطاب المواجهة، خصوصا أن انتقال السلطة جاء في ظرف استثنائي بعد مقتل علي خامنئي في ضربة جوية، وليس عبر مسار سياسي هادئ. لذلك حملت الرسالة بعدا داخليا مهما، إذ خاطبت مؤسسات النظام وأنصاره بلغة تفيد بأن إيران لم تنكسر رغم الضربات والضغوط والحصار البحري.
كما حملت الرسالة بعدا خارجيا مباشرا، لأنها وضعت الولايات المتحدة في موقع الطرف المهزوم، ووصفت المرحلة المقبلة في الخليج ومضيق هرمز بأنها مرحلة جديدة. وهذا يعني أن طهران لا تريد العودة إلى الوضع السابق فقط، بل تريد فرض قواعد ملاحية وسياسية جديدة حول المضيق، بما يمنحها ورقة تفاوضية أمام واشنطن وحلفائها.
هرمز يتحول إلى ورقة ضغط إيرانية
أكد خامنئي أن “الإدارة الجديدة” لمضيق هرمز ستجلب الهدوء والتقدم والفوائد الاقتصادية لكل دول الخليج. وتطرح هذه العبارة رؤية إيرانية تقول إن أمن المضيق يجب أن يخضع لترتيبات إقليمية لا لهيمنة عسكرية أمريكية، لكن خصوم طهران يرون في ذلك محاولة لفرض أمر واقع على ممر ملاحي حيوي.
وتقول تقارير غربية إن إيران، بالتنسيق مع عمان، تسعى إلى تنفيذ رسوم على حركة الشحن تحت مسمى خدمات لا رسوم عبور، في محاولة لتحويل السيطرة على المضيق إلى مصدر ضغط اقتصادي وسياسي. وتأتي هذه التحركات وسط حصار أمريكي مضاد على صادرات النفط الإيرانية، وتراجع في حركة الناقلات، وارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية.
وتكمن أهمية مضيق هرمز في أنه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تمر عبره نسبة تقارب 20% من تدفقات النفط العالمية. لذلك لا ينظر المتعاملون في الأسواق إلى تصريحات خامنئي باعتبارها خطابا سياسيا فقط، بل باعتبارها إشارة إلى احتمال استمرار تعطيل الإمدادات وارتفاع تكاليف التأمين والشحن والطاقة.
وفي المقابل، تدرس الولايات المتحدة ودول أوروبية أطرًا دبلوماسية وأمنية لإعادة حرية الملاحة في المضيق، بحسب تقارير دولية. وهذا يعني أن النزاع حول هرمز لم يعد تفصيلا في الحرب، بل أصبح مركزا للصراع على موازين القوة بين طهران وواشنطن ودول الخليج، مع تأثير مباشر على أسواق النفط والغاز.
النووي والصواريخ قبل أي اتفاق
شدد خامنئي في رسالته على أن الجمهورية الإسلامية ستحمي قدراتها النووية والصاروخية بوصفها “أصولا وطنية”، حتى في ظل سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتفاق يتناول هذه الملفات. وتضع هذه العبارة حدودا واضحة لأي تفاوض مقبل، لأن طهران تعلن مسبقا أنها لا تقبل تحويل قدراتها العسكرية والتقنية إلى ثمن سياسي لإنهاء الحرب.
وتحاول واشنطن، وفق تقارير أمريكية، دفع إيران إلى العودة للمفاوضات عبر ضغط عسكري واقتصادي، بينما تراهن طهران على أن كلفة الحرب والحصار وارتفاع أسعار الطاقة ستجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على تخفيف شروطهم. ولهذا جاءت رسالة خامنئي لتقول إن إيران خرجت من الضربة الأولى أكثر تشددا، لا أكثر استعدادا للتنازل.
وتكشف الرسالة أيضا أن القيادة الإيرانية تربط بين الصمود العسكري والقدرة التفاوضية. فحماية القدرات النووية والصاروخية ليست مجرد موقف أمني، بل هي أساس رواية النظام بعد اغتيال المرشد السابق. ومن دون هذه الرواية، سيظهر انتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي وكأنه انتقال تحت ضغط الهزيمة لا تحت عنوان الاستمرار والمقاومة.
في النهاية، تبدو رسالة خامنئي محاولة لإعلان مرحلة سياسية جديدة بعد شهرين من الحرب: إيران تقول إن أمريكا هُزمت، وإن هرمز سيدار بشروط مختلفة، وإن القدرات النووية والصاروخية ليست مطروحة للتصفية. لكن هذه الرسالة تفتح في الوقت نفسه باب تصعيد طويل، لأن واشنطن لن تقبل بسهولة إدارة إيرانية للمضيق، وأسواق النفط ستظل تدفع ثمن كل ساعة بلا اتفاق.

