كشفت واقعة قرية الكوثر التابعة لمدينة الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية عن وفاة الطفل (أسامة . خ) البالغ 7 سنوات، بعد هجوم 4 كلاب عليه في الشارع، ونقل الطفل إلى مستشفى الحسينية بإصابات خطيرة شملت جروحًا بالغة وخروج أجزاء من أمعائه، قبل أن تخطر الأجهزة المختصة لمباشرة التحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية.

 

أعادت الواقعة مأساة الطفل باسل محمد سيد في السويس إلى الواجهة، إذ رحل باسل بعد 15 يومًا داخل العناية المركزة إثر هجوم كلاب ضالة عليه وهو في طريقه لصلاة الجمعة، ما يجعل موت الطفلين شاهدًا على فشل حكومي متكرر في حماية الأطفال داخل الشوارع والقرى والمناطق السكنية.

 

أسامة وباسل وجهان لأزمة واحدة في الشارع المصري

 

في البداية، لا تبدو وفاة أسامة حادثًا منفصلًا عن سياق عام، لأن الطفل مات في شارع يفترض أن تحميه سلطة محلية وأجهزة بيطرية وبيئية وأمنية. الأسرة فقدت طفلًا في عمر 7 سنوات، بينما تعاملت الدولة مع النتيجة عبر إخطار وتحقيق، لا عبر خطة تمنع تكرار الهجوم.

 

ثم جاءت تفاصيل الإصابة لتكشف مستوى الخطر الذي يواجه الأطفال في المناطق الطرفية والقرى، لأن هجوم 4 كلاب على طفل صغير لا يحتاج إلى خطاب تهدئة. الواقعة تحتاج إلى مساءلة مباشرة للمحليات التي تركت الشوارع بلا رصد يومي، وتركت المواطنين يواجهون الخطر بقدرتهم الفردية.

 

بعدها، يوضح موت باسل في السويس أن الكارثة ليست محصورة في الشرقية، فقد بدأت واقعة باسل يوم 10 أبريل 2026 عندما كان متجهًا لصلاة الجمعة، ثم أصيب بنزيف وتهتك في الطحال، ودخل العناية المركزة قبل وفاته بعد نحو 15 يومًا.

 

لذلك، تتحول الواقعتان إلى ملف واحد عنوانه عجز الحكومة عن إدارة الخطر قبل وقوعه. الطفلان لم يكونا في مكان معزول عن الدولة، بل كانا في شوارع مصرية عادية، ومع ذلك لم توفر الدولة نظامًا معلنًا وفعالًا لحصر الكلاب الضالة أو تحصينها أو منع هجماتها.

 

في هذا السياق، قال الدكتور شهاب عبد الحميد رئيس جمعية الرفق بالحيوان إن مصر تسجل نحو 1.4 مليون حالة عقر سنويًا بسبب الكلاب الضالة، وأضاف أن غياب آليات التعامل المنتظم منذ عام 2011 كان أحد أسباب تفاقم الأزمة.

 

أرقام العقر تكشف فشل الإدارة لا قسوة الحيوان

 

بالتزامن مع تكرار الحوادث، حذرت وزارة الصحة من ارتفاع حالات عقر الكلاب الضالة، وقال المتحدث باسم الوزارة حسام عبد الغفار إن تقديرات غير رسمية مرتبطة بجهات بيطرية تشير إلى وجود ما بين 15 و40 مليون كلب ضال في الشوارع المصرية مع بداية 2026.

 

كما قال عبد الغفار إن الدولة تخصص نحو 1.2 مليار جنيه سنويًا لتوفير الأمصال واللقاحات مجانًا في مراكز عقر الحيوان، وإن علاج حالة العقر يتضمن 4 جرعات من اللقاح وجرعة من المصل حسب الحالة، بتكلفة تقارب 1250 جنيهًا للشخص.

 

غير أن هذه الأرقام تدين الحكومة بدل أن تبرئها، لأن إنفاق المليارات على العلاج بعد العقر لا يعوض غياب الوقاية قبل الهجوم. الدولة تعرف حجم الكلاب، وتعرف تكلفة العلاج، وتعرف حجم البلاغات، لكنها لا تقدم جدولًا زمنيًا ملزمًا للتعقيم والتحصين والإيواء.

 

إضافة إلى ذلك، نشرت تقارير صحفية تقديرات لوزارة الزراعة تتحدث عن 14 إلى 15 مليون كلب، بينما ترفع تقديرات أخرى مرتبطة بالمتخصصين وجمعيات الرفق بالحيوان الرقم إلى أكثر من 40 مليون كلب، وهو تضارب يعكس غياب قاعدة بيانات رسمية موحدة.

 

وعلى هذا الأساس، قالت أمينة أباظة رئيسة جمعية حماية الحيوان إن العشوائية في إدارة الملف تحول الجهود إلى أثر سلبي، وأكدت أن التعقيم يمنع التكاثر وأن التحصين يمنع انتشار السعار، وأن اصطياد الكلاب وتطعيمها والتوعية ضرورة للإصلاح.

 

قانون موجود وخطة غائبة ومواطن يدفع الثمن

 

في المقابل، لا تستطيع الحكومة الادعاء بأن الملف بلا إطار قانوني، لأن قانون رقم 29 لسنة 2023 صدر لتنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب، ونصت مادته الأولى على العمل بأحكامه، ونصت مادته الثانية على توفيق أوضاع المخاطبين به خلال مدة محددة.

 

لكن وجود القانون لم يمنع موت باسل في السويس أو أسامة في الشرقية، لأن الأزمة لا تقف عند ترخيص الكلاب المملوكة فقط. المشكلة الأكبر تتمثل في كلاب الشوارع، وفي تراكم القمامة، وفي ضعف التحصين، وفي محليات تتحرك غالبًا بعد الغضب الشعبي لا قبله.

 

كذلك، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الكلاب مسؤولة عن نحو 99% من حالات داء الكلب البشري، وأن الأطفال بين 5 و14 عامًا هم الأكثر تضررًا، وأن المرض يصبح قاتلًا بنسبة تقارب 100% بعد ظهور الأعراض السريرية.

 

ومن ناحية أخرى، شددت منى خليل الناشطة في مجال الرفق بالحيوان على أن سبب التكاثر لا يرتبط بإطعام الكلاب، بل بغياب برامج التعقيم واسعة النطاق وضعف التمويل والتشريعات غير الفعالة، إلى جانب التربية التجارية بلا ضوابط والإغراق والإهمال.

 

بناء على ذلك، تصبح مسؤولية الحكومة مزدوجة، لأنها مطالبة بحماية الأطفال من العقر ومطالبة في الوقت نفسه بتطبيق حلول علمية لا تتحول إلى قتل عشوائي أو حملات موسمية. الخطة الجادة تبدأ بالحصر، ثم التعقيم، ثم التحصين، ثم مراكز الإيواء، ثم متابعة البلاغات.

 

أخيرًا، تكشف وفاة أسامة بعد باسل أن الحكومة تركت ملف الكلاب الضالة ينتقل من شكوى يومية إلى خطر قاتل على الأطفال. الشارع لا يحتاج بيان تعزية جديدًا، بل يحتاج محاسبة للمحليات، وخطة معلنة بأرقام شهرية، وتمويلًا واضحًا، ومسؤولًا يدفع ثمن كل تقصير قبل أن يدفع طفل آخر حياته.