شريف عثمان

اقتصادي ومصرفي مصري

 

قبل نهاية العام الماضي، مال أغلب مديري الاستثمارات في الولايات المتحدة إلى التفاؤل، ناصحين مستثمري الأسهم الأمريكية بزيادة انكشافهم على تلك الأسهم، للاستفادة من دعم متوقع من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لـ"وول ستريت"، بالتزامن مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، والمقرر عقدها في نوفمبر 2026.

 

وخلال فترة رئاسته الأولى (2017-2021)، أظهر ترامب اهتماما كبيرا بأداء البورصة الأمريكية، وكان يعتبرها مؤشرا مباشرا على نجاح سياساته الاقتصادية، كما أشار في أكثر من مناسبة إلى ارتفاع مؤشرات الأسهم الرئيسية، مؤكدا أنها دليل على قوة الاقتصاد وفاعلية قراراته، خاصة ما يتعلق منها بخفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية.

 

وتسبب ربطه الوثيق بين أداء السوق ونجاحه السياسي في جعله أكثر حساسية تجاه تقلبات الأسهم، ودفعه في كثير من الأحيان إلى الضغط من أجل فرض سياسات نقدية داعمة للنشاط الاقتصادي، مثل خفض أسعار الفائدة؛ بهدف الحفاظ على زخم الأسواق وتعزيز ثقة المستثمرين.

 

ومع بداية العام الجديد، توقع كثيرون أن يكون عاما استثنائيا للبورصة الأمريكية، قبل أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على إيران، وترد الأخيرة بهجمات صاروخية على إسرائيل، وأيضا على الدول الخليجية، لتتراجع طموحات المستثمرين، وتتوقف عند تجنب ركود عالمي ناجم عن ارتفاع تاريخي في أسعار الطاقة.

 

وبنهاية الربع الأول من العام، سجلت الأسهم الأمريكية أسوأ أداء ربع سنوي لها منذ ما يقرب من أربع سنوات، إذ انخفض مؤشر "ناسداك" المركب، المتخم بشركات التكنولوجيا، إلى منطقة التصحيح في 26 مارس، بعد تجاوز تراجعه نسبة 10%، مقارنة بأعلى مستوى تم تسجيله قبل اندلاع الحرب.

 

وبعد يوم واحد، انضم إليه مؤشر "داو جونز" الصناعي (وهو مؤشر رئيسي للاقتصاد الحقيقي)، بينما تراجع مؤشر "إس آند بي 500″، الأكثر تعبيرا عن السوق الأمريكية، بنسبة تقترب من 5%.

 

ومع ذلك، اعتبر أغلب المحللين أن التراجعات التي تمت في سوق الأسهم الأمريكية (حتى الآن) تعد محدودة جدا، إذا أخذنا في الاعتبار حجم الدمار والمخاطر المرتبط بالحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط، والتي تلعب فيها الولايات المتحدة دورا رئيسيا.

 

وأثبتت الأيام التالية صحة تلك الآراء، حيث سجل مؤشرا "ناسداك" و"إس آند بي 500″ الأمريكيان مستويات قياسية جديدة، بنهاية تعاملات الأسبوع الماضي، بينما اقترب مؤشر "داو جونز" الصناعي من أعلى مستوياته على الإطلاق.

 

ولطالما أثارت العلاقة بين الحروب وسوق الأسهم الأمريكية اهتمام المستثمرين وصناع القرار والمؤرخين على حد سواء. فبداية، قد يبدو من المنطقي أن الحروب، بما تحمله من دمار وعدم يقين، تؤثر سلبا وبشكل كبير على أسواق المال.

 

غير أن مراجعة تاريخية أعمق، منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الصراعات الحالية في الشرق الأوسط، تكشف واقعا أكثر تعقيدا: فبينما تُحدث الحروب تقلبات قصيرة الأجل، فإن الأزمات المالية والاقتصادية، لا الحروب، هي التي ألحقت أشد الأضرار وأكثرها استدامة بأسواق الأسهم الأمريكية.

 

ومع اشتعال الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، سيطر الخوف والهلع على الأسواق الأمريكية، حتى إن بورصة نيويورك أُغلقت لعدة أشهر في عام 1914؛ لتجنب حدوث موجات بيع مذعورة.

 

بيد أنه مع دخول الاقتصاد الأمريكي في حالة تعبئة لدعم المجهود الحربي، شهدت الأسواق انتعاشا قويا، إذ ارتفع الإنتاج الصناعي، وزادت معدلات التوظيف، ونمت أرباح الشركات، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالتصنيع والمواد الخام. وبذلك، تحولت الحرب إلى محفز للنمو الاقتصادي، بدلا من أن تكون عاملا سلبيا طويل الأمد.

 

وشهد المستثمرون نمطا مشابها خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945). فعلى الرغم من التقلبات التي شهدتها الأسواق بسبب أحداث مفصلية مثل الهجوم على بيرل هاربر، فإن الاتجاه العام كان صعوديا طوال فترة الحرب.

 

ودعمَ الإنفاق الحكومي الضخم، والتعبئة الصناعية، والتقدم التكنولوجي أرباح الشركات، ومع نهاية الحرب، لم تخرج الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية فحسب، بل أيضا كمركز للنظام المالي العالمي، الأمر الذي مهد الطريق لفترة طويلة من انتعاش الأسواق.

 

وخلال الحرب الكورية (1950-1953) وحرب فيتنام (1955-1975)، وهما أقرب بالتأكيد للحرب الحالية، ظهرت أنماط مشابهة، إذ تراجعت الأسواق في البداية؛ نتيجة حالة عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسية، إلا أن هذه التراجعات كانت في أغلبها قصيرة الأجل، حيث واصل الاقتصاد الأمريكي نموه، وتعافت الأسواق سريعا، مع مرور الوقت.

 

وحتى خلال حرب فيتنام، التي تُعد أكثر الحروب الأمريكية إثارة للجدل، كان أداء السوق مرتبطا بدرجة أكبر بعوامل مثل التضخم والسياسة النقدية أكثر من ارتباطه بالحرب نفسها.

 

وتؤكد الصراعات الأحدث، مثل حرب الخليج (1990-1991)، هذا النمط أيضا، حيث تراجعت الأسواق في البداية مع ارتفاع أسعار النفط وزيادة التوتر، لكنها عادت وارتفعت بقوة بمجرد بدء العمليات العسكرية وتأكد سرعة الحسم.

 

وفي المقابل، وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، والحروب التي تلتها في أفغانستان والعراق، شهدت الأسواق انخفاضات قصيرة الأجل أعقبها تعافٍ ملحوظ.

 

وفي كثير من الحالات، كانت الأسواق تتفاعل إيجابيا مع وضوح الرؤية، أكثر من تفاعلها مع الانتهاء الفعلي للحرب.

 

ومنذ اندلاع الحرب الحالية- وباستثناء ارتفاعات واضحة في أسعار الوقود مما يتوقع أن يكون له تأثير على عودة الضغوط التضخمية بقوة- أظهرت الأسواق الأمريكية قدرا كبيرا من الصمود.

 

وبينما شهدت الأسواق بعض فترات التقلب، خاصة في أسعار أسهم شركات الطاقة وشركات السلاح، لم تتعرض السوق الأمريكية لانهيار كبير، إذ مال المستثمرون إلى التمييز بين الصدمات الجيوسياسية والمخاطر الاقتصادية الهيكلية، وقاموا بتسعير الأولى بسرعة نسبية.

 

وفي المقابل، كانت الأزمات المالية والاقتصادية تاريخيا أشد تأثيرا وضررا على الأسواق الأمريكية، وتسببت في خسائر فاقت بوضوح ما نجم عن أي حرب شارك فيها الجيش الأمريكي. ويظل الكساد العظيم (1929) المثال الأبرز، حيث فقدت الأسواق نحو 90% من قيمتها واستغرق التعافي عقودا.

 

وفي العصر الحديث، أدت الأزمة المالية العالمية (2008)- وقبلها أزمة فقاعة الإنترنت (2001)- إلى محو تريليونات الدولارات من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية، وتسببت في انهيارات وإفلاسات في القطاع المصرفي، وأدخلت الاقتصادات الكبرى في العالم، في أعمق موجة ركود منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

 

تسببت أيضا أزمة "كوفيد-19" في عام 2020- ورغم التعافي السريع لاحقا بفضل السياسات التحفيزية غير المسبوقة- في واحدة من أسرع الانهيارات في تاريخ أسواق الأسهم الأمريكية.

 

ويكمن الفرق الجوهري بين تأثير الحروب وتأثير الأزمات المالية في طبيعة التهديد، إذ غالبا ما تحفز الحروب- خاصة تلك التي تُخاض خارج الأراضي الأمريكية- النشاط الاقتصادي من خلال الإنفاق الحكومي، وزيادة الطلب الصناعي، والتقدم التكنولوجي.

 

وقد تخلق الحروب حالة من عدم اليقين، لكنها نادرا ما تقوّض الأسس الجوهرية للنظام المالي. أما الأزمات المالية، فإنها تضرب في أركان الاقتصاد وأعمدته، ممثلة في النظام الائتماني، واستقرار البنوك، وثقة المستهلكين. وعندما تتعرض هذه الركائز للاهتزاز، يكون تأثيرها على الأسواق أعمق وأكثر طولا.

 

تشير التجارب التاريخية إلى أن الحروب قد تُحدث تقلبات قصيرة الأجل في الأسواق، لكنها لا تحدد مسارها على المدى الطويل، بينما تترك الاختلالات الاقتصادية، وأخطاء السياسات، والصدمات النظامية الأثر الأعمق والأكثر دواما.

 

وبالنسبة للمستثمرين، فإن إدراك هذا الفرق يعد أمرا بالغ الأهمية: فالعناوين الجيوسياسية قد تحرك الأسواق مؤقتا، لكن الأساسيات الاقتصادية هي التي تحدد الاتجاه الحقيقي على المدى الطويل.