وجّه جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة مصلحة الجمارك في مصر بعدم فتح أي شهادات جمركية لتصدير الأرز عبر المنافذ المختلفة إلا بعد موافقته المسبقة، وربط القرار ملف التصدير بحصيلة الدولار والبنك المركزي.

 

ربطت هذه الخطوة محصولا استراتيجيا جديدا بجهة تعمل تحت إشراف السيسي، ووضعت الفلاحين والمصدرين والمستهلكين أمام مركز واحد يتحكم في التصريح والتجميع والتصدير، بينما تتراجع رقابة الوزارات المدنية على ملف الغذاء.

 

موافقة واحدة بدل السوق والوزارات

 

فيما جاء خطاب مستقبل مصر إلى مصلحة الجمارك بصيغة إلزامية، فقد طلب الجهاز وقف فتح الشهادات الجمركية الخاصة بتصدير الأرز في كل المنافذ إلا بعد الحصول على موافقته، وهو ما يحول إجراء التصدير من مسار إداري معتاد إلى إذن مركزي من جهة واحدة.

 

وبحسب الخطاب الذي نشرته منصات صحفية مستقلة في 28 و29 أبريل، برر الجهاز تدخله بوجود تكليفات رئاسية تقضي بقصر إدارة تصدير الأرز عليه، إلى حين صدور قرارات تنظيمية نهائية من الجهات المختصة، وهي صياغة تكشف تقدم القرار الرئاسي على قواعد السوق والاختصاصات المؤسسية.

 

ثم قال الجهاز إنه رصد قيام بعض الشركات بتجميع الأرز وتصديره من دون تنسيق مسبق، واعتبر ذلك مخالفة للسياسات المتفق عليها مع وزارات الزراعة والتموين والتجارة الداخلية، لكن الخطاب لم يعلن أسماء الشركات ولا حجم الشحنات ولا أساس الاستثناءات السابقة إن وجدت.

 

لذلك لم يكتف القرار بتنظيم المنافذ، بل وضع كل عملية تصدير تحت شرط موافقة الجهاز، مع إلزامه بتوريد حصيلة العملة الأجنبية الناتجة عن التصدير إلى البنك المركزي، وهو ربط يحول محصول الأرز إلى أداة مباشرة في إدارة أزمة النقد الأجنبي.

 

ومن زاوية الاقتصاد السياسي، يرى الباحث يزيد صايغ أن توسع الجهات العسكرية وشبه العسكرية في الاقتصاد المصري أعاد تشكيل الأسواق وأثر في صياغة السياسات الحكومية، وهو توصيف يفسر خطورة انتقال ملف الأرز من وزارات مدنية إلى جهاز ذي ارتباط رئاسي مباشر.

 

تمدد من القمح إلى الأرز

 

بعد ذلك لا يظهر قرار الأرز كواقعة منفصلة، لأن جهاز مستقبل مصر توسع خلال الفترة الماضية في إدارة سلع استراتيجية شديدة الحساسية، وتحدثت رويترز في سبتمبر 2025 عن تعاقد الجهاز على شحنات زيوت نباتية وأكثر من 600 ألف طن قمح.

 

كما نقلت رويترز في يوليو 2025 أن مصر تخطط لبورصة سلعية مطورة لإدارة استيراد وتصدير منتجات زراعية رئيسية، وأن مستقبل مصر سيكون الطرف المسيطر عليها، بما يجعل الجهاز بوابة جديدة لحركة السلع بين الداخل والخارج.

 

في السياق نفسه، أصبح الجهاز بديلا فعليا في بعض مهام شراء السلع الاستراتيجية، بعدما ذكرت رويترز في ديسمبر 2024 أنه تعاقد على 1.267 مليون طن قمح لتغطية احتياجات البلاد حتى يونيو 2025، وسط ارتباك في تفاصيل الأسعار ومواعيد الشحن.

 

وبذلك ينتقل مستقبل مصر من دور المستورد والمنسق في القمح والزيوت والدواجن إلى دور المصرح والمتحكم في صادرات الأرز، وهذا الانتقال يوسع نفوذه من جانب إدخال السلع إلى البلاد إلى جانب إخراج محصول محلي يملكه الفلاحون والتجار والمطاحن.

 

لهذا تبدو القضية أبعد من ورقة جمركية، لأن الجهاز يمسك بحلقة التصدير بعد حلقات الاستيراد والتخزين والتوزيع، بينما تفقد الوزارات المدنية مساحة القرار في محصول يرتبط بالمياه والزراعة والأسعار والدولار وحقوق المنتجين المحليين.

 

وفي هذا الإطار، حذر الباحث تيموثي قلدس من أن النشاط الاقتصادي الواسع للمؤسسة العسكرية يمثل عنصرا مؤثرا في الأداء الهيكلي للاقتصاد المصري، ويربط هذا التقييم بين تمدد الجهات غير المدنية وتراجع قدرة السوق على العمل بشفافية ومنافسة عادلة.

 

الأرز بين الفلاح والدولار والرقابة الغائبة

 

في المقابل يحمل ملف الأرز تاريخا طويلا من القيود، إذ قررت الحكومة وقف تصديره في 2016 بدعوى حماية الموارد المائية وتقليل الضغط على الزراعة، وقالت وزارة الري وقتها إن فتح التصدير يشجع زراعته بالمخالفة ويستنزف المياه.

 

غير أن عودة التصدير جزئيا خلال السنوات الأخيرة فتحت بابا جديدا للجدل، لأن بعض الشركات أعلنت عمليات تصدير رغم استمرار القيود الرسمية، وذكرت المنصة أن مصلحة الجمارك أكدت في فبراير 2025 استمرار حظر تصدير الأرز لأكثر من 8 سنوات.

 

وبالتوازي، تشير تقديرات سوقية إلى أن إنتاج مصر من الأرز الأبيض يدور حول 4 ملايين طن سنويا، بينما يقترب الاستهلاك المحلي من 3.2 إلى 3.5 مليون طن، وهو فارق يجعل سياسة التصدير مؤثرة مباشرة في سعر الشراء من الفلاح وسعر البيع للمستهلك.

 

ومن ناحية الفلاحين، قال نقيب الفلاحين حسين أبو صدام في تصريحات سابقة إن استيراد الأرز بكميات كبيرة يضر بالمزارعين ويضغط أسعار المحصول المحلي، كما تحدث عن تهميش سعر ضمان عادل، وهو موقف يضع سياسات الحكومة بين ضغط الاستيراد ومركزية التصدير.

 

لذلك يصبح توسع مستقبل مصر في الأرز مسألة تمس عدالة السوق لا مجرد تنظيم إداري، لأن المصدرين سيتعاملون مع موافقة مركزية، والفلاحين سيتأثرون بسعر شراء تحدده قوى محدودة، والمستهلكين سيدفعون ثمن أي خلل في العرض المحلي أو التخزين.

 

في النهاية، يضع قرار مستقبل مصر الحكومة أمام اتهام واضح بأنها تنقل ملف الغذاء من مؤسسات يفترض أن تخضع للمساءلة إلى جهاز يتمدد بتكليفات رئاسية، وتضع محصولا استراتيجيا ودولارات التصدير داخل دائرة ضيقة، بينما يحتاج المصريون إلى شفافية لا إلى احتكار جديد.