تكشف أزمة الدواجن والبيض أن الحكومة تركت السوق يتحرك بين فائض كبير وخسائر للمنتجين وأسعار لا تصل عادلة للمستهلك، بينما تبحث الصناعة عن التصدير بعد أن فشلت السياسات الرسمية في ضبط الحلقة المحلية.

 

تدفع تصريحات المنتجين ملف أسعار الدواجن وأسعار البيض إلى واجهة الأزمة، لأن الإنتاج اليومي تجاوز 45 مليون بيضة و4.5 مليون دجاجة، بينما بقي المنتج تحت التكلفة وبقي المواطن أمام سوق غير مستقرة.

 

فائض الإنتاج يضغط الأسعار ويكشف غياب إدارة السوق

 

مع اتساع الفائض الحالي، قال الدكتور ثروت الزيني نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن إن السوق المصرية تشهد زيادة واضحة في إنتاج الدواجن والبيض، وإن حجم الإنتاج تجاوز 45 مليون بيضة يوميا وأكثر من 4.5 مليون دجاجة، وهو رقم يكشف طاقة إنتاجية كبيرة لا تقابلها إدارة حكومية فعالة للسوق.

 

وبعد عرض هذه الأرقام، أوضح الزيني أن الفائض يتراوح بين 20 و25% عن احتياجات السوق المحلي، وهو فائض يفترض أن يؤدي إلى استقرار عادل للأسعار، لكنه تحول إلى ضغط مباشر على المنتجين بسبب غياب أدوات حكومية تمنع البيع بأقل من التكلفة وتحمي استمرار المزارع.

 

وبحسب تصريحات الزيني، تراجعت أسعار البيض في المزرعة من مستويات كانت تتراوح بين 150 و155 جنيها خلال العام الماضي إلى نحو 85 و90 جنيها حاليا، وهو مستوى يقل عن تكلفة الإنتاج، بما يعني أن المستهلك لم يحصل على إصلاح هيكلي وأن المنتج دفع ثمن الفوضى.

 

غير أن الحكومة لا تستطيع استخدام تراجع السعر كدليل نجاح، لأن الانخفاض الذي يأتي تحت تكلفة الإنتاج يهدد خروج صغار المربين من السوق، ثم يفتح الباب لاحقا لارتفاع جديد في أسعار الدواجن والبيض عندما ينكمش الإنتاج بسبب الخسائر المتراكمة.

 

أما الزيني، فقد أكد أهمية تحقيق توازن بين مصلحة المستهلك والمنتج عبر سعر مناسب للمواطن وهامش ربح يضمن استمرار المنتج، وهذا التوازن ليس مطلبا مهنيا فقط، بل مسؤولية حكومية مباشرة في قطاع يرتبط بغذاء يومي لملايين الأسر.

 

وعلى مستوى الطاقة الصناعية، لفت الزيني إلى أن مصانع الأعلاف تمتلك طاقة إنتاجية تفوق الإنتاج الحالي، وأن التراخيص القائمة تسمح بإنتاج يصل إلى ضعف الكميات المنتجة حاليا، وهو ما يفضح فشل السياسات الرسمية في تحويل القدرة المتاحة إلى استقرار سعري مستدام.

 

لذلك قال عبد العزيز السيد رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية إن سعر كرتونة البيض في المزرعة سجل بين 88 و90 جنيها في 28 أبريل، بينما أشارت تقديراته إلى أن السعر العادل يجب أن يتراوح بين 115 و120 جنيها لتغطية التكلفة.

 

المنتجون يخسرون والحكومة تترك الأعلاف تتحكم في السوق

 

نتيجة هذا الخلل، لا يظهر فائض الدواجن والبيض كعلامة قوة وحدها، لأن السوق التي تبيع تحت التكلفة لا تكون مستقرة، بل تكون في مرحلة ضغط مؤجل على المنتجين، وهو ضغط يسمح للحكومة بتسجيل انخفاض مؤقت في الأسعار من دون معالجة أسباب الأزمة.

 

ثم إن أسعار الأعلاف ومستلزمات التربية ظلت العامل الأكثر تأثيرا في تكلفة الإنتاج، لأن المربي لا يحسب سعر الكتكوت وحده، بل يحسب العلف والدواء والطاقة والنقل ونسب النفوق، ولذلك يصبح البيع بأقل من التكلفة طريقا مباشرا إلى خروج منشآت من السوق.

 

وبهذا المعنى، قال عبد العزيز السيد إن استمرار الأسعار الحالية التي لا تغطي التكلفة يعرض عددا من المربين لخسائر مالية، وقد يؤدي إلى خروج بعض صغار المربين من السوق، بما ينعكس لاحقا على حجم الإنتاج واستقرار الأسعار في الفترات التالية.

 

لكن الحكومة تعاملت خلال السنوات الماضية مع قطاع الدواجن باعتباره ملفا موسميا يتحرك وقت الغلاء فقط، ولم تبن نظاما معلنا لتكلفة عادلة أو مخزون آمن أو تسعير يوازن بين المنتج والمستهلك، فكانت النتيجة سوقا تهبط بعنف ثم تصعد بعنف.

 

إلى جانب ذلك، أشار مصدر في اتحاد منتجي الدواجن إلى أن أسعار البيع كانت خلال شهر مضى أقل من المستويات الحالية بكثير، وأن هذه الحالة سببت خسائر كبيرة للمزارع، ودفع بعضها إلى التوقف، بما يرفع عشوائية السوق ويضغط على الأسعار صعودا وهبوطا.

 

لاحقا، يصبح حديث الحكومة عن توافر المعروض ناقصا إذا تجاهل بنية القطاع التي تضم ملايين العمال ومنشآت كثيرة ومصانع أعلاف ومجازر ومنافذ أدوية بيطرية، لأن أي خروج واسع لصغار المربين سيضرب التشغيل قبل أن يضرب المعروض النهائي.

 

بالتوازي مع ذلك، أكد الزيني أن صناعة الدواجن كثيفة العمالة وتضم نحو 3.5 مليون عامل، وأعرب عن أمله في زيادة العمالة بنسبة تتراوح بين 10 و20%، لكن هذا الأمل يرتبط بتصدير مستقر وتكلفة إنتاج واضحة لا بتصريحات حكومية مؤقتة.

 

التصدير يصبح مخرجا للفائض لا بديلا عن ضبط الداخل

 

حين تحدث الزيني عن فتح أسواق التصدير، اعتبر الخطوة فرصة مهمة لدعم القطاع وشهادة إيجابية للصناعة المصرية، لكنه شدد أيضا على أن حجم التصدير الحالي لا يتجاوز 1% من الإنتاج، وأن الهدف المقبل هو رفع النسبة إلى ما بين 5 و10%.

 

أمام هذا الرقم المحدود، لا يبدو التخوف من تأثير التصدير على الأسعار المحلية مبررا حاليا وفق الزيني، لأنه يرى أن التصدير سيمتص الفائض ويزيد الإنتاج، لكن المسؤولية تبقى على الحكومة التي يجب أن تمنع انتقال التصدير من علاج للفائض إلى سبب جديد لرفع السعر داخليا.

 

وبخصوص الأسواق الجديدة، أشار الزيني إلى تصدير بيض التفريخ والكتاكيت خلال الأسابيع الماضية، وإلى تصدير بيض المائدة إلى 6 دول إفريقية، كما قال إن الكويت والإمارات العربية المتحدة ضمن الأسواق المستهدفة في المرحلة المقبلة.

 

في سياق قريب، قال محمود العناني رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن إن السوق المحلية تشهد فائضا في المعروض خلال العام الجاري، وأعلن أن مصر بدأت فتح السوق القطرية أمام الدواجن المصرية من خلال شحنة أولى وزنها 300 طن.

 

وبعد بدء هذا المسار، أوضح الزيني أن أسعار التصدير أعلى من السوق المحلي، حيث تصل أسعار الدواجن المصدرة إلى نحو 150 و160 جنيها للكيلو، بينما يجري تصدير كرتونة البيض بمستويات سعرية قريبة، وهو فارق يفسر اندفاع المنتجين نحو الخارج.

 

مع ذلك، لا يحق للحكومة أن تحول التصدير إلى شماعة جديدة لرفع الأسعار على المواطن، لأن أصل الأزمة يتمثل في غياب ضبط تكلفة الإنتاج وتذبذب السوق المحلي، ولا يجوز أن يدفع المستهلك ثمن فشل الدولة في إدارة الأعلاف والرقابة والتسويق.

 

وقبل نهاية 2026، توقع الزيني زيادة كبيرة في إنتاج الدواجن والبيض خلال عامي 2026 و2027، وهو توقع يحمل فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه، لأن زيادة الإنتاج من دون أسواق منظمة وتكلفة مستقرة ستعيد دورة الفائض والخسائر والانكماش.

 

ختاما، تكشف أزمة فائض الدواجن والبيض أن الحكومة لم تصنع سوقا عادلة، بل تركت المنتج يبيع تحت التكلفة وترك المستهلك ينتظر انخفاضا غير مضمون، ثم قدمت التصدير كحل سريع، بينما يحتاج القطاع إلى سياسة معلنة تحمي السعر والغذاء والعمل معا.