تفتح العروض الصينية الجديدة سؤالاً أوسع من أرقام الاستثمار المعلنة، لأن الحكومة التي تمتلك الموانئ والأراضي والموقع وقناة السويس ما زالت تنتظر رأس المال الأجنبي كي يشغل موارد يفترض أنها مصرية.

 

وتكشف المشروعات المقترحة في العين السخنة والمنطقة الاقتصادية والعاصمة الجديدة أن السلطة تسوّق موارد البلد بدلاً من بناء قدرة وطنية على الاستثمار، بينما يظل المواطن خارج معادلة القرار والعائد.

 

الحكومة تعرض الموقع ولا تبني قدرة وطنية

 

في هذا السياق، عقد حسين عيسى نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية اجتماعاً يوم الاثنين مع ممثلي عدد من الشركات الصينية الراغبة في إقامة استثمارات جديدة في مصر، وركز الاجتماع على النقل البحري والخدمات اللوجستية والتصنيع، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بموقع مصر وقناة السويس والموانئ.

 

وبعد ذلك، أكدت الحكومة حرصها على تعزيز التعاون مع الجانب الصيني في مختلف المجالات الاقتصادية، وقال حسين عيسى إن الصين شريك استراتيجي لمصر، غير أن هذا الخطاب الرسمي لا يجيب عن سؤال أساسي، وهو لماذا تحتاج الحكومة إلى مستثمر خارجي كي يشغل موقعاً تملكه الدولة منذ عقود.

 

ثم أشار وليد جمال الدين رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى أن الشركات الصينية تعد من أبرز الشركات المستثمرة في المنطقة الاقتصادية، وأكد أن الهيئة مستعدة لتقديم جميع صور الدعم للشركات الراغبة في الاستثمار، بما يعني أن الدولة تملك الأرض والدعم لكنها لا تملك نموذجاً وطنياً للتشغيل.

 

وبناء على ذلك، يظهر التناقض بوضوح في طريقة إدارة الملف الاقتصادي، لأن الحكومة تعلن تسهيلات واسعة للأجانب بينما يعاني المستثمر المحلي من تكلفة التمويل والبيروقراطية وتقلب سعر الصرف، وهو ما يجعل الاستثمار الوطني أضعف من أن ينافس داخل بلده.

 

وفي هذا الإطار، قالت الدكتورة عالية المهدي أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة إن الاستثمار في مصر قليل جداً ولا يتجاوز 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وربطت ضعف النمو بعدم كفاية الاستثمار، وهو رأي يفسر جانباً من فشل الحكومة في تحويل الموارد المحلية إلى إنتاج فعلي.

 

مليارا دولار لمدينة صينية وسؤال عن نصيب الصناعة المصرية

 

لاحقاً، قال محمد الحمصاني المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء إن الاجتماع استعرض مشروعات جديدة تعتزم الشركات الصينية تنفيذها في السوق المصرية، وذلك داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الجديدة والمناطق الصناعية المختلفة، وهو إعلان يوضح أن التفاوض لا يقتصر على مشروع واحد بل يشمل مساحات واسعة من الاقتصاد.

 

وفي التفاصيل، شملت العروض مشروع إنشاء محطة حاويات في ميناء العين السخنة بطاقة استيعابية مصممة تبلغ مليوني حاوية، وباستثمارات مبدئية تقدر بنحو 400 مليون دولار، من خلال مجموعة موانئ مقاطعة جيانغسو المحدودة وشركة شنغهاي هوانشي للخدمات اللوجستية المحدودة.

 

وبعد مشروع المحطة، عرضت مجموعة هوريكين الصينية إنشاء منطقة صناعية على مساحة 100 ألف متر مربع، وتشمل المنطقة خطوط إنتاج للمنتجات الكيميائية والسلع الاستهلاكية سريعة التداول والأدوات المنزلية، إلى جانب مراكز تخزين إقليمية وأنظمة لوجستية ذكية تخدم السوق المصرية وأسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

 

ثم قالت الحكومة إن المشروع يستهدف توجيه نحو 70% من الإنتاج للتصدير مقابل 30% للسوق المحلية، وهذا الرقم يضع الحكومة أمام اختبار مباشر، لأن التصدير الحقيقي يحتاج قاعدة تصنيع محلية ومورّدين مصريين ونقل معرفة، لا مجرد منطقة تشغيل تابعة لشركات أجنبية.

 

وفي مرحلة تالية، عرض الجانب الصيني إقامة مدينة لوجستية وتجارية على مساحة 3 ملايين متر مربع على غرار مدينة إيوو الصينية، وذلك باستثمارات تقدر بنحو 2 مليار دولار، وتضم المدينة معارض لعرض المنتجات الصينية وفندقاً خمس نجوم ومدرسة دولية ومستشفى.

 

وبسبب هذا التصميم، يصبح السؤال أكثر حدة، لأن الحكومة تسمح بإقامة مدينة ضخمة لعرض المنتجات الصينية داخل مصر، بينما تعجز عن تحويل المناطق الصناعية القائمة إلى منصات قوية لعرض المنتج المصري في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، رغم أن هذه الأسواق هي الهدف المعلن نفسه.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور مدحت نافع الخبير الاقتصادي إن تحقيق نهضة تنموية اقتصادية يتطلب وجود استراتيجية واضحة للاستثمار، كما شدد على تحديد الموارد والعقبات والحوافز، وهذا الطرح يكشف مشكلة الحكومة عندما تعرض أرقاماً ضخمة دون نشر استراتيجية ملزمة للعائد المحلي.

 

فرص عمل معلنة وموارد عامة بلا ضمانات كافية

 

بعد ذلك، قالت الحكومة إن المدينة التجارية واللوجستية المقترحة قد تسهم في توفير نحو 150 ألف فرصة عمل، لكن هذا الرقم يحتاج إعلاناً تفصيلياً عن نوع الوظائف والأجور ونسبة العمالة المصرية والتدريب والحقوق، لأن الحكومات المصرية اعتادت استخدام أرقام التشغيل كأداة دعائية قبل توقيع العقود.

 

وفي الاتجاه نفسه، أبدى الجانب الصيني رغبة في إقامة مستودع جمركي يستخدم في إعادة تصدير الماكينات المستعملة إلى الأسواق الأفريقية، وهذا البند يفتح سؤالاً إضافياً عن موقع مصر في المشروع، هل تصبح الدولة منصة عبور للسلع والماكينات المستعملة أم مركزاً لتصنيع مكونات جديدة.

 

ثم استعرض الجانب الصيني إمكانية تعزيز التعاون بين الغرفة التجارية الصينية والحكومة المصرية بهدف ضخ المزيد من الاستثمارات في السوق المصرية، وذلك في ضوء القطاعات التي تحددها الحكومة، وأكد ممثلو الجانب الصيني أن أكثر من 160 شركة صينية تعمل في مصر ومستعدة لضخ استثمارات جديدة.

 

وبهذا الحجم من الوجود الصيني، لا يعود الملف مجرد عرض استثماري عابر، لأن الحكومة مطالبة بإعلان خريطة واضحة للشركات الصينية العاملة في مصر ونشاطها ونسبة التصدير والتشغيل المحلي والضرائب ونقل التكنولوجيا، بدلاً من الاكتفاء بعبارة شريك استراتيجي في البيانات الرسمية.

 

وفي هذا الإطار، قال الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق إن إنكار الأخطاء عرقل الاقتصاد المصري، ورأى أن الإصلاح يحتاج الاعتراف بالمشكلة لا تحميلها فقط لعوامل خارجية، وهو كلام ينسحب على ملف الاستثمار عندما تتهرب الحكومة من سؤال فشل إدارة الموارد.

 

وبالتزامن مع ذلك، قال زياد بهاء الدين في يناير 2026 إن الاقتصاد المصري يستطيع أن يعيش دون صندوق النقد إذا استعدت الدولة لذلك من الآن، ويعني هذا الطرح أن مصر تحتاج سياسة إنتاج واستثمار مستقلة، لا إدارة أزمات تنتظر المستثمر أو المقرض في كل دورة مالية.

 

وفي ختام الاجتماع، أكد حسين عيسى أن الفترة المقبلة ستشهد لقاءات بين مسؤولي الشركات الصينية والجهات الحكومية المعنية لبحث فرص التعاون، وهو ما يعني أن المشروعات ما زالت في مرحلة التفاوض، وأن الحكومة لم تقدم حتى الآن عقوداً معلنة أو جدولاً زمنياً أو ضمانات محددة.

 

لذلك، تكشف العروض الصينية بمليارات الدولارات أزمة أعمق من نقص التمويل، لأن الدولة تملك الموقع والموانئ والأرض والعمالة والسوق لكنها لا تملك إدارة اقتصادية تحول هذه الموارد إلى قوة وطنية، ولهذا تبدو الحكومة كوسيط يجهز الأرض للغير بدلاً من أن يستثمرها لصالح المصريين.