أقر مجلس النواب تعديلات قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، بينما بقي السؤال الأهم معلقًا حول قدرة القانون على الوصول إلى اقتصاد الجهات السيادية.

 

تطرح التعديلات اختبارًا مباشرًا للحكومة، لأن أي حديث عن الحياد التنافسي يفقد قيمته إذا ظلت شركات الجيش والمخابرات والداخلية خارج الضرائب والرقابة والإفصاح.

 

قانون جديد بلا قيمة إذا بقيت الجهات السيادية فوق السوق

 

في البداية، أعلن جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية أن التعديلات الجديدة تعزز استقلاله الفني والمالي والإداري، كما أشار إلى استحداث جزاءات مالية إدارية على الأشخاص الاعتبارية وإنشاء اللجنة العليا للحياد التنافسي لضمان تكافؤ الفرص داخل الأسواق.

 

وبعد إقرار التعديلات، برزت مطالبات بتطبيق القانون على الشركات والأنشطة التابعة للجيش والمخابرات العامة ووزارة الداخلية، لأن هذه الجهات تدخل قطاعات تجارية واسعة وتحصل في الوقت نفسه على إعفاءات جمركية وضريبية وموازنات خاصة لا تخضع للشفافية المدنية.

 

وفي هذا السياق، قال عضو مجلس النواب محمد فؤاد إن القانون لا يستثني أحدًا، بينما طرح عضو مجلس النواب أحمد فرغلي تساؤلات عن الجهات الحكومية التي تحصل على إعفاءات في الجمارك والضرائب، لأن هذه الامتيازات تضعف مبدأ تكافؤ الفرص وتخلق منافسة غير عادلة.

 

وعلى الرغم من ذلك، يبقى جوهر الأزمة في قدرة جهاز حماية المنافسة على تنفيذ القانون فعليًا أمام مؤسسات سيادية تملك نفوذًا سياسيًا وإداريًا وأمنيًا، لأن نصًا قانونيًا عامًا لا يكفي إذا عجز الموظف الرقابي عن طلب ملفات مالية أو تعاقدية من جهة عسكرية.

 

ومن هنا، يوضح الخبير المصري في الاستراتيجية وإدارة الأزمات الدكتور مراد علي أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بخضوع أنشطة الجيش والمخابرات والداخلية لقانون المنافسة، بل يتعلق بسبب ممارسة هذه الجهات أصلًا أنشطة اقتصادية وتجارية تنافس القطاع الخاص.

 

وبحسب علي، تستطيع الجهات السيادية الحصول على إعفاءات عندما تستورد أجهزة أو معدات مرتبطة بوظيفتها العامة في الدفاع والأمن، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الجهات إلى لاعب تجاري يملك مزارع ومصانع وفنادق وشركات مقاولات ومنافذ بيع ومشروعات خدمية.

 

ولذلك، يرى علي أن إخضاع هذه الأنشطة لقانون منع الاحتكار يبدو خطوة إصلاحية من الخارج، لكنه يقبل بالمشكلة من أساسها، لأن العلاج الحقيقي يبدأ بخروج الجهات السيادية من الأنشطة التجارية التي تحتمل المنافسة وتركها لشركات تخضع للضرائب والجمارك والإفصاح.

 

امتيازات الجيش تصنع منافسة غير عادلة في قطاعات مدنية واسعة

 

بعد طرح سؤال الرقابة، تظهر خريطة الاقتصاد العسكري كعامل حاسم في فهم عجز القانون، لأن الجيش يمتلك 3 كيانات رئيسية تعمل في المجالين العسكري والمدني، وهي وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.

 

وفي امتداد هذه الخريطة، يعمل آلاف الضباط واللواءات المتقاعدين داخل شركات ومصانع عسكرية تنشط في الإلكترونيات والأجهزة المنزلية والسيارات والأغذية والمشروبات واللحوم والدواجن والأسماك والطرق والحديد والإسمنت ومواد البناء والمحاجر والمقاولات والتعدين والاستصلاح الزراعي.

 

كما تشمل أنشطة هذه الشبكة الملابس والتبغ وقطع الغيار والبيع بالتجزئة والإعلام والترفيه والتجهيزات التكنولوجية ومعدات النقل الذكية، وهو توسع وثقه تقرير البنك الدولي في ديسمبر 2020 ضمن عرضه لانتشار الكيانات العسكرية في قطاعات مدنية متعددة.

 

وبسبب هذا الاتساع، لا يستطيع القطاع الخاص منافسة كيان يحصل على أراض مميزة وتمويل ميسر وإعفاءات ضريبية وجمركية وعمالة رخيصة من المجندين، بينما تخضع الشركات المدنية لفواتير الضرائب والجمارك والتمويل البنكي وتكاليف التشغيل الطبيعية.

 

وفي هذا الإطار، حذرت تقارير صندوق النقد الدولي من استمرار هيمنة الدولة والشركات العسكرية على الاقتصاد المصري، وأشارت رويترز في يوليو 2025 إلى أن الصندوق رأى تقدمًا محدودًا في تقليص دور الشركات المملوكة للدولة والجيش التي تتمتع بمعاملة تفضيلية وشفافية مالية محدودة.

 

وبالتوازي مع ذلك، أشار تقرير لرويترز في فبراير 2025 إلى أن الحكومة تسعى لنقل بعض الشركات المملوكة للدولة إلى الصندوق السيادي وإشراك القطاع الخاص، لكنه أوضح أن الحكومة والجيش ترددا في التخلي عن السيطرة على بعض الأصول.

 

وعلى مستوى التشخيص الأوسع، وثق الباحث يزيد صايغ في مؤسسة كارنيغي تمدد الاقتصاد العسكري بعد 2013، واعتبر أن القوات المسلحة أصبحت لاعبًا اقتصاديًا مباشرًا في قطاعات مدنية عديدة، بما يضعف الحياد التنافسي ويقيد فرص القطاع الخاص.

 

ولذلك، لا يكفي إنشاء لجنة عليا للحياد التنافسي إذا بقيت حسابات المشروعات العسكرية بعيدة عن الرقابة المدنية، لأن المنافسة العادلة تحتاج إلى ضرائب واحدة وقواعد إفصاح واحدة ومناقصات مفتوحة وحق تفتيش فعلي على جميع الشركات بلا استثناء.

 

مستقبل مصر والمخابرات العامة يوسعان اقتصاد الظل السيادي

 

ثم يبرز جهاز مستقبل مصر كواجهة جديدة لتوسع اقتصادي شديد الغموض، بعدما أنشئ بقرار رئاسي رقم 591 لسنة 2022 في مايو 2022، ثم حصل على أدوار متصاعدة في الزراعة والصناعات الغذائية والقمح والصوامع والبحيرات والطاقة الشمسية والعقارات والسياحة.

 

وفي ديسمبر 2024، نقلت رويترز أن جهاز مستقبل مصر تولى دور الهيئة العامة للسلع التموينية في استيراد السلع الاستراتيجية ومنها القمح، وهو انتقال شديد الحساسية لأن الهيئة كانت مسؤولة لعقود عن مشتريات القمح المرتبطة بالخبز المدعم لنحو 70 مليون مواطن.

 

وبعد هذا الانتقال، زاد القلق من غياب الشفافية حول جهاز يتحكم في قطاعات غذائية وزراعية واسعة، خصوصًا بعدما توسعت مشروعاته الزراعية من 200 ألف فدان عام 2021 إلى تكليفات بملايين الأفدنة في الدلتا الجديدة والمنيا وبني سويف والفيوم وأسوان والواحات.

 

وفي المسار نفسه، امتدت أنشطة المخابرات العامة إلى البناء والإسكان والخدمات المالية والإعلام والإنتاج الفني وملف الغاز، حيث تبرز شركات واجهة وشركات مقاولات وتوريدات، إلى جانب أدوار في المستشفيات والمعدات الطبية والمستنسخات الأثرية وبعض خدمات الاتصالات.

 

كما أشار يزيد صايغ في دراسة كارنيغي عن أولياء الجمهورية إلى أن أجهزة سيادية وعسكرية لعبت أدوارًا اقتصادية واسعة، وأن بعض الشركات العامة أو الخاصة قد تعمل واجهات لكيانات سيادية، بما يعقد معرفة المالك الحقيقي ويصعب تطبيق قواعد المنافسة والإفصاح.

 

وبناء على ذلك، تصبح المشكلة القانونية أعمق من نصوص قانون حماية المنافسة، لأن المادة 77 من قانون المخابرات العامة تدرج ميزانية الجهاز كمبلغ إجمالي ضمن ميزانية القوات المسلحة وتتيح التصرف فيها دون الرجوع إلى السلطات المالية بتلك الجهتين.

 

كما تمنح المادة 79 من القانون نفسه إعفاءات ضريبية وجمركية على الأصناف اللازمة لأعمال المخابرات المستوردة من الخارج، بينما تشمل قوانين أخرى إعفاءات لأرباح جهات سيادية من ضريبة الدخل وإعفاءات جمركية أوسع، وهو ما يقنن الاستثناء بدل إنهائه.

 

ومن ثم، يضع القانون الجديد الحكومة أمام اختبار محدد، لأن السوق لا يحتاج إلى عبارات عامة عن المنافسة العادلة، بل يحتاج إلى كشف المالكين الحقيقيين للشركات السيادية وإخضاع المناقصات والحسابات والضرائب والرسوم لنظام واحد يراه البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات.

 

وفي الخلاصة، يكشف الجدل حول قانون المنافسة أن الحكومة لا تواجه احتكارًا تقليديًا بين شركات خاصة فقط، بل تواجه اقتصادًا سياديًا واسعًا يعمل بامتيازات قانونية وإدارية ومالية، ولذلك لن يثق المستثمر أو المواطن في القانون ما دامت أقوى الكيانات خارجه عمليًا.

 

ولهذا، يبدأ الإصلاح الحقيقي من الفصل بين الوظيفة السيادية والوظيفة التجارية، لأن الجيش يحمي الحدود والمخابرات تحمي الدولة والشرطة تحفظ الأمن، أما القمح والفنادق والمقاولات والزراعة والإعلام والحديد والإسمنت فيجب أن تخضع لسوق معلن ورقابة مدنية كاملة.