في الدول الديمقراطية، تناقش موازنة الدولة- بما فيها القوات المسلحة- من قبل نواب البرلمان، دون إخفاء أي شيء يتعلق بها، أو التذرع يدواعي الأمن القومي، كما في حالة مصر، حيث لا رقابة للبرلمان عليها، ولا يملك النواب الذين يفنرض انتخابهم لتمثيل الشعب ورعاية مصالحة مناقشة بنودها، أو التعليق عليها. 


 
إذ إنه ووفقًا للدستور المصري (المادة 203)، تُناقش ميزانية القوات المسلحة عبر مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس الجمهورية، وتُدرج في الموازنة العامة للدولة كـ"بند واحد"، وليس بنودًا تفصيلية، 

 

مناقشة ميزانية القوات المسلحة في عهد الرئيس مرسي

 

وكانت المرة الأولى التي أُدرجت فيها ميزانية القوات المسلحة ضمن الموازنة العامة لأول مرة بشكل رسمي في عام 2013-2014 – إبان حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي – تحت مسمى قطاع الدفاع والأمن القومي، حيث وبلغ إجمالي ميزانيىة القوات المسلحة 000. 171. 946. 30 جنيه، وذلك مقابل 27 مليار جنيه في الموازنة السابقة للعام المالي 2012 ـ 2013. وأدرجت ميزانية الجيش في بنود منها الدفاع العسكري 30 مليار 936 مليون جنيه، منها 30 مليار و717 مليون جنيه لديوان عام وزارة الدفاع، و143 مليون و800 ألف جنيه لديوان عام وزارة الإنتاج الحربي. وتقسم باقي البنود على قطاع التدريب وقطاع الميادين المركزية وشئون دفاع غير مصنفة، والبند الأخير صندوق تمويل المتاحف العسكرية. 

 

غير أن الأمور عادت إلى ما كانت عليه عقب الانقلاب على الرئيس مرسي من قبل وزير الدفاع آنذاك عبدالفتاح السيسي، وفرضت السرية على كل ما يتعلق بميزانية القوات المسلحة، ولم يعد النواب يملكون حق الاطلاع عليها. ولم يجرؤ أحد أن يتحدث عن هذا الأمر علنًا، فكل شيء يطويه الكتمان، ولا مجال للإفصاح عنه. 

 

ميزانية القوات المسلحة.. السر المقدس

 

وعلى الرغم من حالة الصمت المطبق التي خيمت على الجميع، إلا أن المحامي والإعلامي خالد أبو بكر، الموالي للأجهزة الأمنية، دافع عن السرية المفروضة على ميزانية القوات المسلحة، وذلك في منشور عبر صفحته الرسمية على موقع "فيسبوك".

 

وتحت عنوان: "ميزانية القوات المسلحة السر المقدس"، كتب أبو بكر، قائلاً: بلد فقيرة ومديونة صح بس هناك سر لا يعرفه كل الناس .. يورثه قادة الجيش المصري لبعضهم البعض، لا يعرفه إلا كبار القادة العسكريين ويقسمون بشرفهم العسكري علي هذا السر، هذا السر يكمن في ضمان الحفاظ علي خزينة القوات المسلحة التي بها أكبر ثروة يملكها المصريون وتفتح وقت الاحتياج ولها حسابات خاصة، ولا تفتح هذه الخزينة إلا بعقل وحكمة، وإن فتحت ستجد بها أعلى ما يملكه المصريون الميزانية الضخمة والسر المقدس: دماء خيرة شبابهم وأبنائهم جاهزة كي تحرق كل من يفكر في المساس بأراضيها حسابات الغني والفقر ستتغير عندما يتعرض الوطن لاقدر الله للخطر بنطفي النور الساعة 11 لكن إن أردنا فلدينا أضواء قد تعمي الأبصار من قوتها"..
 

 

إلغاء مبدأ سيادة القانون


ورد الدكتور مراد علي، المستشار الإعلامي لحزب "الحرية والعدالة، عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي مستنكرًا ادعاءات أبوبكر، قائلاً: غريب جدًا أن يصدر مثل هذا الطرح عن رجل قانون يدرك أبجديات الدولة الحديثة. فكرة أن تكون ميزانية القوات المسلحة خارج نطاق الرقابة والمساءلة، وأن تُدار كـ"سر مقدس" لا يعلمه إلا قلة من القادة، هي إلغاء لمبدأ سيادة القانون، ونسف لأسس الحوكمة الرشيدة التي تقوم على الشفافية، والمحاسبة، وفصل السلطات".

 

وأضاف: "الدول لا تُدار بالأسرار، بل بالمؤسسات. الجيوش المحترفة في العالم — حتى في أكثر الدول تقدمًا عسكريًا — تخضع ميزانياتها لرقابة برلمانية دقيقة، مع مراعاة ما يلزم من سرية في الجوانب العملياتية، لا في إجمالي الموارد وأوجه الإنفاق".

 

وتابع: "أما تكون هناك "خزينة خفية" تحمل ثروة الأمة بعيدًا عن أعين الشعب، فهذا يفتح أكبر أبواب الفساد وسوء تخصيص الموارد. قوة الجيوش لا تُبنى بالغموض، بل بالثقة المبنية على الشفافية والانضباط المؤسسي. وإذا كنا نتحدث عن دماء أبنائنا الجنود، فهي أقدس من أن تُستخدم كستار لحجب الحقائق، بل تستحق نظامًا يضمن أن كل مورد يُدار باسمهم يخضع لأعلى درجات المسؤولية والمحاسبة".