تتصاعد الأسئلة في مصر حول انتقال وزراء ومسؤولين سابقين إلى مناصب دولية بعد خروجهم من الحكومة مباشرة، لأن الشارع يرى أن كثيرا منهم ترك ملفات اقتصادية وخدمية مثقلة بالديون وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، بينما تستقبلهم مؤسسات أممية ومالية كأن حصيلة الداخل لا تعني شيئا في تقييم الخارج.

 

تفتح هذه التعيينات بابا سياسيا حساسا حول طبيعة الدور الذي أداه بعض المسؤولين أثناء وجودهم في السلطة، وهل خدموا المصلحة العامة أم نفذوا سياسات منحتهم قبولا دوليا لاحقا، خاصة أن الحكومة المصرية لم تقدم للرأي العام تفسيرا واضحا لهذه الحركة السريعة بين مواقع القرار المحلي ومكاتب المنظمات الدولية.

 

من الوزارة إلى الأمم المتحدة وصندوق النقد

 

في 20 أبريل 2026 أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تعيين وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي السابقة رانيا المشاط أمينة تنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا في بيروت، وجاء القرار بعد خروجها من الحكومة في تعديل فبراير الماضي.

 

وبذلك انتقلت المشاط من موقع حكومي ارتبط بملفات التخطيط والتعاون الدولي والتمويل إلى موقع أممي رفيع، بعدما بقيت في الحكومة نحو 8 سنوات، وشغلت قبل ذلك منصب وكيلة محافظ البنك المركزي للسياسة النقدية، وعملت في صندوق النقد الدولي في سن مبكرة.

 

وقبل ذلك خرج محمد معيط من وزارة المالية في منتصف 2024، ثم اختير في أكتوبر 2024 مديرا تنفيذيا وعضوا في مجلس المديرين التنفيذيين بصندوق النقد الدولي، وممثلا للمجموعة العربية والمالديف، رغم أن ولايته الوزارية تزامنت مع اتساع الدين وضغط الضرائب والأعباء على المواطنين.

 

وفي المسار نفسه شغل محمود محيي الدين موقعا دوليا بارزا بعد خروجه من الحكومة، إذ تولى منصب نائب رئيس البنك الدولي، ثم أصبح مديرا تنفيذيا في صندوق النقد الدولي، ويشغل حاليا منصب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية.

 

كما غادرت ياسمين فؤاد وزارة البيئة بعد نحو 7 سنوات، ثم تولت في مايو 2025 منصب السكرتير التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في مدينة بون الألمانية، رغم أن ملف البيئة في مصر ظل محل انتقادات متصلة بالتلوث والعدالة البيئية والمنح الدولية.

 

وفي ديسمبر 2019 غادرت غادة والي وزارة التضامن الاجتماعي، ثم تولت منصب وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة والمدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ومديرة مقر المنظمة الدولية في فيينا، وهو انتقال سريع أثار وقتها أسئلة مشابهة حول معايير الترقية الدولية.

 

نخبة السلطة بين الفشل الداخلي والصعود الخارجي

 

وفي أكتوبر 2025 اختير وزير الآثار السابق خالد العناني مديرا عاما لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، رغم انتقادات واسعة طالت فترة عمله بشأن حماية التراث والآثار المصرية، واتهامات لسياسات الوزارة بالتفريط في مناطق تاريخية لصالح مشروعات عمرانية رسمية.

 

ثم فاز رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية ورئيس البورصة السابق إسلام عزام برئاسة لجنة الأسواق النامية والناشئة التابعة للمنظمة الدولية لهيئات أسواق المال حتى 2028، ليصبح نائبا لرئيس مجلس إدارة المنظمة، في وقت تواجه فيه الأسواق المصرية أسئلة حول الشفافية والاستثمار.

 

كما اختارت شركة شيميرا الإماراتية في أغسطس 2022 وزيرة الاستثمار السابقة داليا خورشيد لتولي منصب قيادي تنفيذي في بلتون، بعد أسبوع من استحواذ الشركة التابعة لطحنون بن زايد على 55.9 بالمئة من أسهم الشركة، بينما بقيت علاقة المال الخليجي بالقرار الاقتصادي المصري محل تساؤل.

 

وفي تفسير هذه الظاهرة قال الصحفي المصري المعارض ناجي عباس إن المنظمات الدولية تختار من خدمها جيدا لا من خدم بلاده جيدا، وطرح سؤالا مباشرا حول ما إذا كان بعض المسؤولين قد بنوا سيرتهم الدولية أثناء وجودهم في مناصبهم الحكومية.

 

وبناء على هذا الرأي تصبح التعيينات المتتالية مؤشرا على علاقة غير واضحة بين المسؤولين وهذه المؤسسات قبل الخروج من السلطة، لأن المسؤول الذي يفاوض جهة دولية أو يمرر سياساتها في الداخل قد يصبح لاحقا موظفا رفيعا داخل الجهة نفسها أو في محيطها.

 

كما ربط عباس هذه الظاهرة بمصالح شخصية داخل منظومة الحكم، واستحضر حالة داليا خورشيد بعد انتقالها إلى شركة ترتبط باستحواذ إماراتي، بما يطرح أسئلة رقابية حول الباب الدوار بين المنصب العام والمال الخارجي والمؤسسات العابرة للحدود.

 

خبراء يسألون عن السيادة والرقابة ومعايير الاختيار

 

ومن زاوية مختلفة رأى الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية سعيد عفيفي أن فشل المسؤولين داخل مصر لا يرجع إلى الأشخاص وحدهم، بل إلى نظام سياسي وإداري تأسس على الطاعة لرأس السلطة، ويمنح القرار لمنظومة مغلقة لا تسمح بإدارة علمية مستقلة.

 

ولذلك أكد عفيفي أن المصري الكفء ينجح خارج بلاده لأنه يعمل داخل منظومة تحترم التخصص ولا يتحكم فيها الجهل الإداري، بينما تعيد الدولة المصرية إنتاج الفشل لأنها ترفض التغيير الدستوري والتشريعي الجذري، وتستبدل الإصلاح الحقيقي بترقيع إداري لا يغير الأساس.

 

وفي قراءة أكثر ارتباطا بالسياسات العامة قال رئيس حزب الخضر المصري محمد عوض إن تولي مسؤولين سابقين مناصب دولية يحتاج إلى بحث جاد، خصوصا أن أداءهم التنفيذي داخل مصر لم يكشف تميزا واضحا ولم يشعر المواطن بتحسن اقتصادي أو خدمي خلال سنواتهم في السلطة.

 

ثم تساءل عوض عما إذا كان هؤلاء المسؤولون ينفذون سياسات وطنية أم سياسات مفروضة على مصر، وربط الأمر بملفات وزارة المالية والبنوك والتخطيط والاستثمار والبيئة، وهي ملفات شديدة الحساسية لأنها تتعامل مع القروض والمنح والمفاوضات والمؤسسات الدولية صاحبة المصالح المباشرة.

 

كما حذر عوض من انتقال مسؤول مالي سابق إلى موقع تنفيذي داخل صندوق النقد بعد قيادته مفاوضات مع الصندوق ومعرفته بخبايا الأوضاع المالية المصرية، واعتبر أن هذا الوضع يستدعي تحريات رقابية وتجريما لبعض السلوكيات التي تمس الأمن القومي ومقدرات الدولة.

 

وفي السياق نفسه تساءل خبير الحوكمة الاستراتيجية رضا حلمي عن سبب مكافأة من فشلوا في خدمة المواطن المصري بمناصب رفيعة في الأمم المتحدة، واعتبر أن بعض الأسماء ارتبطت بسياسات صندوق النقد والخصخصة والديون، ثم حصلت على مناصب دولية بعد تركها للمواقع المحلية.

 

وبناء على هذه الشهادات لا تبدو المسألة مجرد نجاح فردي لمسؤولين سابقين، بل تبدو علامة على خلل أعمق في معايير الاختيار والمحاسبة داخل مصر، لأن المسؤول يغادر موقعه بلا كشف حساب علني، ثم يعود ظهوره في مؤسسة دولية تمنحه شرعية جديدة خارج الرقابة الشعبية.

 

وفي النهاية تكشف هذه الوقائع أن الحكومة المصرية لا تواجه أزمة كفاءات بقدر ما تواجه أزمة سيادة ومحاسبة، فالمسؤول الذي يخرج من وزارة مثقلة بالإخفاق لا يجب أن يغادر بلا مساءلة إلى منصب دولي، لأن المواطن الذي دفع ثمن قراراته يبقى داخل الأزمة بينما ينتقل هو إلى المكافأة.