فتح ضبط مصنع ألبان غير مرخص في القوصية بمحافظة أسيوط ملفا جديدا عن ترك المواطنين أمام غذاء مجهول المصدر بينما تتحرك الحكومة غالبا بعد وقوع الخطر لا قبله.

 

الواقعة التي أعلنتها مديرية التموين بأسيوط في أبريل 2026 لم تكشف فقط عن لبن فاسد ومواد كيميائية بل كشفت عن فجوة رقابية تسمح لمصانع غير مرخصة بإعادة تدوير منتجات تالفة ثم دفعها إلى الأسواق.

 

مصنع غير مرخص وسوق مفتوح للغش

 

بحسب بيانات منشورة عن مديرية التموين بأسيوط فقد داهمت الأجهزة الرقابية مصنعا غير مرخص في مركز القوصية بعد معلومات عن إعادة تصنيع منتجات ألبان غير صالحة للاستهلاك الآدمي داخل منشأة تعمل خارج الاشتراطات الصحية والقانونية.

 

وبعد دخول الحملة إلى المصنع ضبطت الجهات المختصة نحو 3 أطنان من اللبن الفاسد المعد لإعادة التصنيع إضافة إلى كميات من مادة بيروكسيد الهيدروجين التي استخدمها القائمون على المصنع لإخفاء علامات التلف وإظهار المنتج كأنه صالح للبيع.

 

كما أوضحت تقارير محلية أن المضبوطات شملت 4 جراكن تحتوي على مواد هيدروجينية و37 جركنا بلاستيكيا فارغا وخزانا من الاستانلس وخزانا آخر بسعة 2 طن و2 موتور كهربائي و2 تروسيكل بما يشير إلى بنية تشغيل كاملة لا واقعة عابرة.

 

وبذلك تكشف الواقعة أن المصنع لم يكن مجرد مكان بدائي محدود الحركة بل كان يملك أدوات تخزين ونقل وتشغيل تسمح بتداول كميات كبيرة من اللبن الفاسد قبل وصول الحملات الرقابية إليه في توقيت متأخر.

 

ومن ثم تطرح الواقعة سؤالا مباشرا حول سبب استمرار مصنع غير مرخص في العمل حتى مرحلة تجهيز أطنان من اللبن الفاسد للسوق بينما يفترض أن تمنع أجهزة الترخيص والرقابة وجود هذا النشاط من البداية.

 

بيروكسيد الهيدروجين يحول التلف إلى خداع صحي

 

في قلب الواقعة ظهرت مادة بيروكسيد الهيدروجين كمادة مؤكسدة استعملها المصنع لإيهام المستهلك بنضارة اللبن وصلاحيته وهي ممارسة تجعل الغش الغذائي اعتداء مباشرا على حق المواطن في غذاء آمن لا مجرد مخالفة تجارية.

 

وحذر استشاري أمراض الجهاز الهضمي الدكتور حاتم عبد الحق من استخدام هذه المادة في الغذاء مؤكدا أن إدخالها في منتجات الألبان يمثل جريمة مكتملة الأركان لأن المستهلك لا يرى الخطر ولا يستطيع كشفه قبل التناول.

 

وأضاف عبد الحق في تصريحاته للعربية والحدث أن المادة قد تسبب التهابات حادة ومضاعفات لا تظهر فوريا ثم تتفاقم داخل الجسم بما يجعل الخطر غير مرئي في بدايته وأكثر قسوة على الفئات الضعيفة صحيا.

 

كما شدد عبد الحق على أن ضبط مصانع تعيد تصنيع منتجات غذائية فاسدة بمواد كيميائية خطرة يعكس خطورة هذه الممارسات لأن الضرر لا يقف عند منتج واحد بل يمتد إلى ثقة المواطنين في سلاسل الغذاء كلها.

 

وبناء على ذلك تصبح مسؤولية الحكومة أكبر من إعلان الضبط بعد المداهمة لأن حماية الأمن الغذائي تحتاج تفتيشا مسبقا ورقابة مستمرة ونشرا واضحا لأسماء المخالفين ومسارات توزيع المنتجات قبل أن تصل إلى بيوت المواطنين.

 

أطباء يحذرون من التهيج والنزيف وتلف الأنسجة

 

من جهته قال أخصائي أمراض الجهاز الهضمي الدكتور السيد علي إن بيروكسيد الهيدروجين يتسبب في تهيج شديد لبطانة المعدة والأمعاء وقد يؤدي إلى التهابات حادة وتقرحات خاصة عند استخدامه بتركيزات مرتفعة أو بصورة متكررة.

 

وأوضح السيد علي أن خطورة المادة تمتد مع تكرار التعرض إلى مضاعفات أكثر تعقيدا إذ قد يعاني بعض المستهلكين من آلام شديدة في البطن واضطرابات هضمية قد تصل إلى نزيف أو تلف في الأنسجة الداخلية للجهاز الهضمي.

 

وأشار الطبيب إلى أن مرضى الجهاز الهضمي يقفون في مقدمة الفئات الأكثر عرضة للخطر خصوصا المصابين بالتهابات مزمنة لأن تناول منتجات تحتوي على هذه المادة قد يفاقم حالتهم بسرعة ويضاعف احتياجهم إلى تدخل طبي.

 

وتتفق هذه التحذيرات مع ما كتبته أليسون نيلسون ولورين بورتر في مرجع طبي منشور عبر المكتبة الوطنية الأمريكية للطب حيث أوضحتا أن ابتلاع بيروكسيد الهيدروجين قد يسبب ألما بالبطن وغثيانا وقيئا وإصابة في الأغشية المخاطية.

 

كما أوضحت نيلسون وبورتر أن التركيزات الأعلى من بيروكسيد الهيدروجين تعد كاوية وقد تسبب حروقا كيميائية في الفم والحلق والمريء وقد تطلق كميات من غاز الأكسجين داخل الجهاز الهضمي والدم في الحالات الشديدة.

 

لذلك لا تبدو الواقعة مجرد ضبط تمويني معتاد بل تبدو دليلا على بيئة رقابية تسمح للمواطن بأن يكون آخر من يعلم بحقيقة ما يدخل بيته بينما تملك أجهزة الدولة أدوات المنع المسبق ولا تستخدمها بالصرامة المطلوبة.

 

خاتمة

 

تكشف واقعة مصنع ألبان القوصية أن الخطر لا يبدأ عند جركن كيميائي داخل مصنع مخالف بل يبدأ عند غياب رقابة تمنع المصنع من العمل وتمنع اللبن الفاسد من التحول إلى منتج معروض للفقراء في الأسواق.

 

وتبقى المحاسبة الجادة هي الاختبار الحقيقي بعد إعلان الضبط لأن مصادرة 3 أطنان من اللبن الفاسد لا تكفي وحدها ما لم تعلن الحكومة مسار التوزيع وأسماء المسؤولين عن الترخيص والرقابة والعقوبات التي تمنع تكرار الجريمة.