بعد نحو 4 أشهر فقط من واقعة المريوطية، عادت الجيزة إلى واجهة الجدل بمشهد جديد يكشف أن ملف مراكز علاج الإدمان غير المرخصة لم يُحسم، رغم بيانات الإغلاق والتحرك الرسمي. مقطع الفيديو المتداول، أمس الأربعاء 22 أبريل 2026، لم يكن مجرد مشهد هروب جماعي على الطريق الأبيض في أبو رواش، بل كان شهادة ميدانية مصورة على أن ما يجري داخل بعض تلك الأماكن لا يشبه العلاج بقدر ما يشبه الاحتجاز القسري خارج أي رقابة فعالة.

 

الفيديو أظهر عشرات الشبان في الطريق العام، وأظهر كذلك حالة ارتباك بين الهاربين، فيما بدا أحدهم وهو ينفي أنه هارب ويدعي أنه مختطف، بينما ظهر آخرون وهم يقرون بالفرار بسبب سوء المعاملة، ويطلبون طعاما ومساعدة للوصول إلى أقرب وسيلة مواصلات عامة للعودة إلى منازلهم. هذه التفاصيل، في حد ذاتها، تضع الحكومة أمام واقعة موثقة جديدة يصعب احتواؤها ببيان أمني عابر.

 

 

الواقعة الجديدة لا يمكن فصلها عن المشهد الأوسع الذي انفجر في ديسمبر 2025، عندما وثقت مقاطع مصورة هروبا جماعيا لعشرات النزلاء من منشأة غير مرخصة في المريوطية جنوب الجيزة، وسط روايات مباشرة عن تحطيم أبواب ونوافذ حديدية، وشهادات حول انتهاكات جسدية وسوء معاملة وغياب الرعاية الطبية.

 

وقتها أعلنت وزارة الصحة، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، حملة موسعة قالت إنها استهدفت المراكز الوهمية وغير المرخصة، وأكدت لاحقا إغلاق عشرات المنشآت في عدة محافظات. لكن عودة المشهد نفسه بعد 4 أشهر فقط، وفي المحافظة نفسها، تكشف أن أصل الأزمة لم يُعالج، وأن ما جرى في ديسمبر لم يكن استثناء انتهى، بل إنذارًا مبكرًا تجاهلته السلطة حتى عاد في أبريل 2026 بصورة أكثر إحراجا. هذا التسلسل الزمني يجعل الواقعة الجديدة دليلا على فشل الردع أكثر من كونها حادثة منفصلة.

 

مصحة أبو رواش بين رواية الاختطاف وشهادات الهاربين

 

أظهر الفيديو المتداول، بحسب ما نشرته وسائل إعلام محلية، عشرات الشبان في نطاق الطريق الأبيض بمنطقة أبو رواش في الجيزة، بينما كان مصور الفيديو يسأل بعضهم عن سبب وجودهم في الشارع. في تلك اللحظات قال أحدهم إنه تعرض للاختطاف نافيا أنه هارب من مصحة، في حين بدت عليه آثار اضطراب واضحة.

 

ثم ظهرت رواية أخرى داخل المقطع نفسه، عندما تحدث شابان آخران إلى مصور الفيديو وأقرا بأنهم هربوا جميعا من إحدى مصحات علاج الإدمان بسبب سوء المعاملة. وبعد ذلك طلب الشبان المساعدة لإيصالهم إلى أقرب منطقة مواصلات عامة، كما طلبوا الطعام، وهو ما يعكس حالة إنهاك بدني ونفسي لا يمكن فصلها عن طبيعة المكان الذي خرجوا منه.

 

وفي أعقاب انتشار الفيديو، قالت التغطيات الإخبارية إن الجهات الأمنية المختصة كثفت جهودها لكشف حقيقة الواقعة وضبط المتورطين فيها. لكن هذا التحرك جاء لاحقا على انتشار المقطع، لا سابقا عليه، بما يؤكد أن الرصد المؤسسي لم يمنع الواقعة، وأن الفيديو الشعبي سبق الدولة مرة أخرى إلى كشف ما جرى على الأرض.

 

وبالتوازي مع ذلك، يقدم الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، رقما مهما في هذا الملف، إذ قال في ديسمبر 2025 إن مصر تضم 284 مركزا مرخصا لعلاج الإدمان بين حكومي وخاص، مع تأكيده أن بيانات المتقدمين للعلاج مكفولة بالسرية. غير أن تكرار الهروب الجماعي يطرح سؤالا مباشرا: كيف تستمر المراكز غير المرخصة في العمل بهذا الاتساع بينما تعلن الدولة وجود بدائل قانونية معلنة.

 

من المريوطية إلى أبو رواش تكرار الجريمة نفسها

 

في ديسمبر 2025 اندلعت الواقعة السابقة في المريوطية، عندما فر عشرات النزلاء من منشأة قيل إنها غير مرخصة، وسط شهادات تحدثت عن تحطيم الأبواب والنوافذ الحديدية للهروب إلى الشارع. وبعد ذلك ربطت وزارة الصحة بين الحادث وبين ملف المراكز الوهمية التي تمارس النشاط خارج القانون.

 

كما نقلت التغطيات المصاحبة للواقعة السابقة شهادات صادمة عن تعرض الفارين لانتهاكات جسدية وسوء معاملة وغياب تام للرعاية الطبية، بما حول رحلة العلاج إلى مسار قسري يقوم على العنف والترهيب. وعندما تتكرر الشهادات نفسها في أبريل 2026، يصبح التكرار نفسه قرينة توثيقية على أن نمط الانتهاك لم يتوقف.

 

ثم أعلنت وزارة الصحة، بالتنسيق مع وزارة الداخلية، حملة موسعة قالت إنها أسفرت عن إغلاق عشرات المراكز الوهمية لعلاج الإدمان والطب النفسي. وذكرت تقارير لاحقة أن الوزارة أغلقت 32 مركزا غير مرخص في يناير 2026، كما تحدثت تصريحات رسمية عن إغلاق 112 منشأة غير مرخصة خلال 2025، إضافة إلى حملات أخرى في الجيزة والقاهرة والشروق والإسماعيلية.

 

لكن هذا السجل الرقابي الكبير لم يمنع ظهور واقعة أبو رواش بعد أشهر قليلة، وهو ما يمنح كلام الدكتور هشام زكي، رئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص، معنى مختلفا. الرجل أكد استمرار الحملات واتخاذ الإجراءات القانونية، غير أن الوقائع المتلاحقة تكشف أن الإجراءات القائمة لم توقف التشغيل الفعلي لتلك الأماكن ولم تحم المرضى من السقوط داخلها.

 

شهادات المسؤولين والخبراء توثق حجم الخلل الرسمي

 

أكد الدكتور هشام زكي، في أكثر من تصريح رسمي، أن الوزارة تتخذ الإجراءات القانونية ضد المنشآت المخالفة، وأن الحملات الرقابية مستمرة لضمان التزام المراكز بمعايير الجودة وسلامة المرضى. لكن هذه الصيغة الرسمية تصطدم ميدانيا بعودة الفيديوهات نفسها والشكاوى نفسها، وهو ما يجعل الرقابة لاحقة للفضيحة لا سابقة عليها.

 

كما قدم الدكتور أحمد النحاس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية للمجلس القومي للصحة النفسية، توصيفا أكثر دقة لطبيعة المخالفات، عندما قال إن المراكز المغلقة خالفت قانوني المنشآت الطبية والصحة النفسية، ولم تطبق اشتراطات مكافحة العدوى وضوابط البيئة. هذا الكلام يوضح أن الأزمة ليست نقص أوراق فقط، بل تشغيل أماكن تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة والعلاج.

 

وفي السياق نفسه، يكشف الدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، جانبا آخر من حجم الأزمة، إذ أشار في تصريحات منشورة خلال 2025 إلى رصد 151 مكانا غير مرخص يدعي تقديم خدمات العلاج النفسي وعلاج الإدمان، كما لفت إلى تصاعد أثر المخدرات التخليقية بين المتقدمين للعلاج. هذه الأرقام تعني أن السوق غير القانونية لم تكن هامشية، بل واسعة ومتمددة.

 

وبناء على ذلك، يصبح ما جرى في أبو رواش نتيجة مباشرة لتراكم تقصير رسمي واضح في الإغلاق المبكر والرقابة المسبقة والإنفاذ الجاد. فحين يهرب شبان إلى الطريق العام ويطلبون الطعام والمواصلات بعد الخروج من مكان يفترض أنه للعلاج، فإن الدولة لا تكون أمام مخالفة إدارية بسيطة، بل أمام فشل موثق في حماية مواطنين كانوا داخل منشأة تمارس سلطة احتجاز عليهم.

 

لهذا لا يبدو المشهد مجرد واقعة شاذة، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من الانتهاكات داخل مراكز غير مرخصة نجحت في البقاء والعمل رغم الوعود الرسمية المتكررة. ومن ثم فإن أخطر ما يكشفه فيديو أبو رواش ليس فقط هروب العشرات، بل أن الحكومة ما زالت تتحرك بعد الانفجار، بينما يستمر تشغيل أماكن يفترض أنها أغلقت أو كان يجب ألا تعمل من الأصل.

 

وفي الخاتمة، يثبت تسلسل الوقائع من المريوطية في ديسمبر 2025 إلى أبو رواش في أبريل 2026 أن ملف علاج الإدمان غير المرخص في مصر لم يخضع لمعالجة حاسمة، وأن الحملات الحكومية، رغم كثافة بياناتها، لم تنهِ البيئة التي تسمح بتكرار الانتهاك. وعندما يتكرر الهروب الجماعي بعد 4 أشهر فقط، فإن المسؤولية لا تتوقف عند أصحاب المراكز، بل تمتد مباشرة إلى سلطة أخفقت في المنع والرقابة والحماية ثم عادت تكتفي بالملاحقة بعد الفضيحة.