كشفت صفقة جديدة وقعتها شركة أورا للتطوير العقاري المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس مع مدن القابضة الإماراتية حجم الفارق بين ما يجده رأس المال المصري في الخارج وما يواجهه داخل السوق المحلية إذ استحوذت الشركة على 4.8 مليون متر مربع إضافية من أراضي جنتوت لترتفع حيازتها هناك إلى 9.6 مليون متر مربع وتصل قيمة الاستثمار الكلي المتوقعة إلى 30 مليار درهم عند اكتمال تطوير مشروع بين الواقع بين دبي وأبوظبي والمرتبط مباشرة بطريق الشيخ مكتوم بن راشد وعلى بعد نحو 25 دقيقة من مطار آل مكتوم الدولي وهي أرقام لا تعكس مجرد توسع عقاري بل تكشف أن رجل أعمال بحجم ساويرس وجد في الإمارات مساحة أوسع للتمدد وأكثر وضوحا في العائد والجدول الزمني والشراكة المؤسسية من السوق التي يحمل جنسيتها ويعرف تفاصيلها منذ عقود.
ويزداد ثقل هذه الصفقة عندما توضع إلى جوار تصريحات ساويرس نفسه في أبوظبي خلال فبراير 2025 حين دعا إلى إعادة النظر في المشروعات العملاقة التي تنفذها السلطة المصرية لأنها تستهلك كميات كبيرة من النقد الأجنبي وقال إن 1500 شركة مصرية نقلت مقارها إلى أبوظبي خلال 2024 ثم عاد بعد الحرب الأخيرة ليؤكد أن الإمارات ما زالت وجهة آمنة لاستقبال رجال الأعمال وأن أصحاب الاستثمارات هناك لا داعي لقلقهم وبذلك لم يعد السؤال متعلقًا فقط بسبب استثمار ساويرس في الإمارات بل بسبب ما الذي جعل بيئة الأعمال المصرية تدفع هذا العدد من الشركات إلى الخارج وتدفع أحد أبرز رجال الأعمال المصريين إلى مضاعفة رهانه خارج الحدود بدل توسيعه في الداخل.
الصفقة الجديدة لا تخص الأرض وحدها بل تخص الثقة
وبحسب البيانات المنشورة عن الاتفاق فإن الشراكة بين أورا ومدن لا تقف عند حدود شراء أرض جديدة بل تمتد إلى توسيع مشروع بين بوصفه المشروع الرئيسي للشركة في الإمارات وهو مشروع سكني متكامل تراهن عليه أورا باعتباره وجهة تجمع السكن والخدمات والحياة الساحلية في نقطة تربط بين أكبر سوقين عقاريين في الدولة وهو ما يمنح الاستثمار إطارا مؤسسيا مستقرا منذ البداية.
ثم إن هذا الرهان لم يأت من فراغ لأن مشروع بين حقق مبيعات سكنية بقيمة 2.7 مليار درهم خلال 2025 كما حلت أورا في المركز الثالث ضمن أفضل 10 مطورين عقاريين في أبوظبي وفق تقرير مركز أبوظبي العقاري وهو ما يعني أن الشركة توسعت بعد اختبار سوق منحها مبيعات فعلية وتصنيفا متقدما لا بعد وعود دعائية أو حوافز غير واضحة.
وفي هذا السياق تبدو تصريحات نجيب ساويرس عن أمان الاستثمار في الإمارات امتدادا مباشرا لقرار التوسع لا تعليقا عابرا على تطورات الحرب لأن الرجل ربط علنا بين الثقة في السوق الإماراتية وبين استمرار الأعمال فيها بينما قال قبل ذلك إن مصر تحتاج مراجعة للمشروعات العملاقة المكلفة بالعملة الصعبة وهو ربط يفسر اتجاه المال لا مجرد الكلمات المصاحبة له.
داخل مصر تتعثر بيئة الاستثمار تحت وطأة الدولة والمشروعات الكبرى
وفي المقابل لا تقدم المؤشرات الخاصة بالسوق المصرية صورة مشجعة لرأس مال خاص يبحث عن سرعة القرار ووضوح القواعد لأن صندوق النقد أكد عند استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة في فبراير 2026 أن الإصلاحات الهيكلية في مصر جاءت غير متوازنة وأن بيع الأصول المملوكة للدولة تأخر بينما ظل الدين العام واحتياجات التمويل الكبيرة يضغطان على الحيز المالي والنمو متوسط الأجل.
كما أن وكالة رويترز نقلت عن ساويرس نفسه انتقادا مباشرا للمشروعات العملاقة التي دفعتها السلطة منذ 2014 وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة بقيمة تقدر بنحو 58 مليار دولار وقال إن هذه المشروعات تستهلك قدرا كبيرا من العملة الأجنبية وهو انتقاد يضع سبب العزوف عن التوسع المحلي في قلب السياسة الاقتصادية الرسمية لا في مزاج المستثمر الفردي.
وفي هذا الإطار قالت مونيكا مالك كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري إن الاقتصاد المصري ما زال يواجه تحديات في النمو تشمل سياسة مالية مشددة وضعف مستويات الاستثمار بينما أظهرت بيانات مؤشر مديري المشتريات في مارس 2026 تدهورا حادا في القطاع الخاص غير النفطي مع ارتفاع التكاليف وتراجع الطلب وهو ما يوضح أن بيئة التوسع الإنتاجي داخل مصر ما زالت أكثر قسوة وأقل قابلية للتنبؤ.
خروج الشركات إلى أبوظبي يجيب عمليا عن السؤال الصعب
وبعد ذلك يصبح انتقال 1500 شركة مصرية إلى أبوظبي خلال 2024 رقما كاشفا لا يمكن التعامل معه كحركة فردية أو ظرف مؤقت لأن هذا الانتقال الجماعي يعني أن شريحة واسعة من رجال الأعمال رأت في الخارج ما لم تجده في الداخل من سهولة تسجيل وتداول وتمويل وقدرة على الوصول إلى سوق مال أكثر سيولة وأقل ازدحاما بالدولة وأجهزتها.
كذلك فإن الحكومة المصرية نفسها أقرت بوجود حاجة إلى توسيع دور القطاع الخاص عبر نقل بعض الشركات المملوكة للدولة إلى صندوق مصر السيادي وبيع حصص في شركات أخرى تحت ضغط برنامج صندوق النقد وهو إقرار رسمي بأن هيمنة الدولة ما زالت قائمة وأن السوق لم تصل بعد إلى مستوى يسمح لرأس المال الخاص بالمنافسة على أرض متكافئة داخل قطاعات رئيسية.
وفي العنوان نفسه جاءت إفادة إيرا دابلا نائبة مدير إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي حين أكدت أن احتياجات التمويل في مصر ما زالت كبيرة وأن ارتفاع الدين يظل قيدا ضاغطا على الاقتصاد بينما أظهرت تقديرات الصندوق الأخيرة تراجعا في توقعات النمو تحت تأثير الصدمات الإقليمية وهو ما يعني أن المستثمر الذي يبحث عن سوق مستقرة سيقرأ الأرقام قبل أن يسمع الخطاب الرسمي.
وهكذا فإن سؤال لماذا لا يستثمر نجيب ساويرس في مصر لا يحتاج إلى إجابة إنشائية لأن الوقائع تكفي فالرجل وسع استثماراته في الإمارات بعد نجاح بيعي وتصنيف عقاري متقدم وشراكة واضحة وموقع جاهز بينما تواجه مصر تباطؤا في الإصلاح وهيمنة مستمرة للدولة وتكلفة مرتفعة للمشروعات الكبرى وخروجا منظما للشركات إلى أبوظبي ولذلك فإن الصفقة الأخيرة لا تفضح خيار ساويرس وحده بل تفضح فشل السلطة في إقناع رأس المال المصري بأن بلده هو المكان الطبيعي والأكثر أمانا لاستثماره.

