تتسع حالة الغضب داخل هيئة الإسعاف المصرية مع تصاعد شكاوى العاملين من أوضاع مالية يعتبرونها مجحفة، في وقت تتزايد فيه أعباء المهنة ومخاطرها اليومية، من التعامل مع الحوادث الجسيمة إلى نقل المصابين والحالات الحرجة والعمل لساعات تمتد إلى يوم كامل.
ويقول مسعفون إن الفجوة بين ما يتقاضونه وما يحصل عليه نظراؤهم من أعضاء المهن الطبية لم تعد مسألة تفصيلية، بل تحولت إلى عنوان دائم للإحباط وفقدان الثقة، خاصة بعدما صدرت زيادات لفئات أخرى من دون إعلان مسار مماثل للعاملين بالهيئة. كما زاد الاحتقان مع استمرار العمل بلائحة خاصة تستخدمها الجهات الرسمية مبررًا لتأجيل الحلول، رغم أن الشكاوى لم تعد فردية، بل انتقلت إلى طلبات إحاطة برلمانية متعددة تناولت الأجور والبدلات وساعات العمل ومكافأة نهاية الخدمة، وربطت بين هذا التدهور وبين تسرب الكفاءات وتراجع الروح المعنوية داخل مرفق يفترض أنه يتصدر خطوط الاستجابة الأولى في الطوارئ.
جاء هذا الغضب بعد سنوات من ثبات بدلات أساسية عند مستويات لا تتناسب مع موجات الغلاء المتلاحقة ولا مع طبيعة المهنة الميدانية، إذ يؤكد العاملون أن بدل الوجبة ما زال عند 20 جنيهًا مقابل 24 ساعة عمل منذ عام 2009، بينما بقيت قيمة الساعة الإضافية المحددة عند 8 جنيهات بلا صرف فعلي حتى الآن وفق الشكاوى المتداولة. ويضاف إلى ذلك إلغاء ميزة كانت واردة في اللائحة القديمة تقضي بصرف ما يعادل 10 أشهر من الأجر الشامل عند التقاعد، قبل أن تختفي هذه الميزة مع اللائحة الجديدة منذ 2019. وبدلًا من معالجة هذه الفجوات، تلقى المسعفون رسائل متكررة مفادها أن أوضاعهم تخضع لتنظيم خاص، وهو رد يعتبرونه غطاءً إداريًا لاستمرار التفاوت لا حلًا له، خصوصًا مع انتقال الملف إلى البرلمان عبر طلبات إحاطة من النائبة إيرين سعيد والنائب أمير الجزار والنائب حسام خليل خلال الأشهر الأخيرة.
بدلات أقل ومخاطر أعلى.. كيف اتسعت الفجوة داخل المنظومة الصحية
تبدأ الأزمة من بدل مخاطر العدوى الذي يقول مسعفون إنه لا يتجاوز 500 جنيه للعاملين في هيئة الإسعاف المصرية، مقابل 1350 جنيهًا للممرضين، مع توجيهات بزيادة إضافية لفئة التمريض اعتبارًا من 1 يوليو رفعت الإجمالي إلى 2200 جنيه، من دون إعلان زيادة مماثلة للمسعفين حتى الآن. وهذا الفارق المالي لا يظهر في بند واحد فقط، بل يكشف اتساع فجوة ممتدة داخل نفس المجال الصحي.
ثم تتكرر الفجوة نفسها في بدلات السهر والمبيت، إذ يحصل المسعفون على 50 جنيهًا لكل منهما، بينما يتقاضى الممرضون 75 جنيهًا للسهر و115 جنيهًا للمبيت، مع انتظار رفع بدل المبيت للأطقم المشمولة بالتعديلات الجديدة إلى 240 جنيهًا. ويقول العاملون إن المقارنة هنا لا تخص الترف المالي، بل تخص مساواة مباشرة بين فئات تتعرض لضغط وعدوى وإرهاق متقاربين.
كما يتسع المعنى نفسه عند بدل الوجبة الذي بقي عند 20 جنيهًا مقابل 24 ساعة عمل منذ 2009، وهو رقم فقد قيمته الفعلية مع التضخم وارتفاع الأسعار. وفي هذا السياق يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد السيد النجار أن الحكم على الأجور لا يكون بقيمتها الاسمية فقط، بل بقدرتها الشرائية الحقيقية، لأن الزيادة الورقية قد تتآكل بالكامل إذا التهمتها أسعار السلع والخدمات.
ومن ثم تبدو شكاوى المسعفين متصلة ببنية أوسع من التفاوت في توزيع الأجور داخل الدولة، لا بمجرد خلاف إداري محدود. وقد أشار أحمد السيد النجار أيضًا إلى أن توزيع الأجور في الهيئات الحكومية يتم بصورة غير عادلة بين القطاعات، بما يخلق فروقًا واضحة بين جهات خدمية وأخرى، وهو توصيف يقترب مباشرة من واقع العاملين بالإسعاف الذين يقارنون أنفسهم بأقرانهم داخل المنظومة الصحية نفسها.
طلبات إحاطة متلاحقة تكشف عمق الأزمة وتحرج الحكومة
جاء الانتقال إلى البرلمان نتيجة مباشرة لتراكم هذه الشكاوى داخل هيئة الإسعاف المصرية، إذ تقدمت النائبة إيرين سعيد بطلب إحاطة استنادًا إلى المادة 134 من الدستور والمادة 212 من اللائحة الداخلية للمجلس، بشأن شكاوى المسعفين من عدم عدالة الأجور مقارنة بأقرانهم من المهن الطبية. وتناول الطلب بدلات السهر والمخاطر والعدوى وضعف بدل الوجبات والحاجة إلى تطوير التدريب.
وبعد ذلك وسع النائب أمير الجزار نطاق الاعتراض حين طالب بتحقيق مساواة مالية وتنظيمية بين العاملين بهيئة الإسعاف المصرية ونظرائهم في المهن الطبية، موضحًا أن بدل المخاطر يبلغ 500 جنيه فقط، وأن فروق السهر والمبيت وبدل الوجبة لا تتناسب مع ساعات عمل تصل إلى 24 ساعة متواصلة. كما طالب بمراجعة ساعات العمل القانونية وإعادة العمل بمكافأة نهاية الخدمة بواقع 10 أشهر.
ثم جاء طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب حسام خليل ليضيف بعدًا آخر أكثر وضوحًا، إذ ربط بين ضعف الحوافز والبدلات وبين انخفاض الروح المعنوية وتسرب الكفاءات، محذرًا من أثر ذلك على كفاءة وسرعة الاستجابة للخدمات الإسعافية. وطالب خليل بالمساواة في بدل العدوى وبدل مخاطر المهنة، وزيادة حوافز الطوارئ والنوبتجيات، وصرف مكافأة نهاية خدمة مناسبة للمحالين إلى المعاش.
وفي قلب هذا المسار البرلماني تبرز مشكلة اللائحة الخاصة التي يعيد المسعفون ذكرها في نهاية كل مناشدة تقريبًا، لأن الجهات الرسمية تستخدمها لتفسير استبعادهم من مزايا أقرت لجهات صحية أخرى. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن تعديلات قانون المهن الطبية التي وافق عليها مجلس النواب في 6 يوليو 2025 انصبت أصلًا على العاملين غير المخاطبين بقوانين أو لوائح خاصة، ما يعني أن باب التفاوت ظل مفتوحًا بحكم الصياغة القانونية نفسها.
وفي هذا السياق يكتسب رأي الدكتور أشرف حاتم، وزير الصحة الأسبق وعضو مجلس النواب، دلالة إضافية، لأن الرجل كان ضمن الداعمين لتعديلات المهن الطبية، كما حضرت اسمه اجتماعات رسمية عقدت في 25 مارس 2026 لبحث استراتيجية وطنية موسعة لتدريب وتأهيل الكوادر الطبية. ويعكس ذلك اعترافًا مؤسسيًا بأن كفاءة المنظومة لا تنفصل عن التدريب والمسار المهني، وهو ما يطالب به المسعفون بالتوازي مع مطلب العدالة المالية.
بيئة طاردة وتسرب كفاءات.. حين تصبح الاستجابة الأولى نفسها مهددة
ينتقل أثر الأجور والبدلات من دفتر المرتبات إلى قلب الخدمة نفسها، لأن المسعف الذي يعمل في نوبات طويلة ويتعرض للخطر اليومي من دون مقابل عادل يصبح أكثر عرضة للإرهاق النفسي والمهني. وهذا ما أشار إليه النائب حسام خليل صراحة عندما ربط الأزمة بتراجع الروح المعنوية وتسرب الكفاءات، وهو تحذير يتجاوز الشكوى الفئوية إلى التحذير من خلل في مرفق طوارئ حيوي.
كما تدعم الصورة الأوسع ما تقوله الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء السابقة، حين وصفت البيئة الطبية في مصر بأنها تحولت إلى بيئة طاردة تفتقر إلى الأمان المهني والحماية الحقيقية من الاعتداءات ونقص الإمكانات. ورغم أن حديثها انصرف إلى القطاع الطبي الأوسع، فإن مضمونه يفسر لماذا يشعر العاملون في الإسعاف أن استمرار التفاوت المالي مع غياب الحماية والتقدير يدفع المهنة كلها إلى الاستنزاف.
ويصبح هذا الربط أكثر قوة مع ما أورده تقرير استند إلى بيانات حديثة عن هجرة الأطباء، إذ أشار إلى أن 76% من الأطباء المؤهلين اختاروا العمل خارج مصر، وأن 60% منهم كان دافعهم تدني الأجور. ورغم أن المسعفين ليسوا هم الفئة نفسها، فإن الاتجاه العام داخل القطاع الصحي يكشف أن الأجر والبيئة المهنية لم يعودا ملفين منفصلين عن بقاء الكوادر داخل الخدمة العامة.
ثم تعود أزمة الساعات الإضافية لتؤكد المعنى نفسه، لأن العاملين يشيرون إلى أن قيمة الساعة الإضافية المحددة بـ8 جنيهات لم تصرف حتى الآن رغم تكرار الوعود. ويقول المسعفون إن المشكلة لا تتعلق فقط بضآلة الرقم، بل بأن الدولة تعترف نظريًا بعبء إضافي ثم تتركه بلا تنفيذ، وهو ما يضاعف الشعور بعدم التقدير أكثر مما تخفضه أي وعود معلنة.
كما يضيف إلغاء ميزة نهاية الخدمة التي كانت تمنح ما يعادل 10 أشهر من الأجر الشامل قبل حذفها منذ 2019 بعدًا آخر للغضب، لأن العامل يرى أن حقوقه لا تتحسن أثناء الخدمة ولا تبقى محفوظة بعدها. ولهذا يكرر المسعفون مطالبتهم بإعادة هذه الميزة باعتبارها جزءًا من العدالة الوظيفية لا من باب المنحة أو الاستثناء.
وفي النهاية تتكشف الأزمة بوصفها ملفًا موثقًا لا مجرد تذمر وظيفي عابر، لأن الوقائع الواردة فيها محددة بالأرقام والتواريخ وطلبات الإحاطة والأسماء، ولأن الشكوى انتقلت من غرف العاملين إلى مجلس النواب من دون أن تصل بعد إلى تسوية عادلة. وإذا استمرت الحكومة في الاكتفاء بالحديث عن لائحة خاصة بدل مراجعة بنود الأجر والبدلات وساعات العمل ونهاية الخدمة، فإنها لن تكون فقط قد تجاهلت مطلبًا مهنيًا مشروعًا، بل ستكون قد دفعت أحد أهم مرافق الطوارئ في البلاد إلى مزيد من الإنهاك والتفكك في وقت تحتاج فيه الخدمة العامة إلى تثبيت كوادرها لا خسارتها.

