تحولت فرنشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، إلى واحدة من أكثر الشخصيات الحقوقية إثارة للجدل والجدل المضاد في العالم الغربي منذ اندلاع الحرب على غزة. فبحسب مقابلة مطولة نشرتها صحيفة الجارديان في 14 أبريل 2026، لم تعد الضغوط التي تتعرض لها ألبانيز مقتصرة على الهجوم السياسي أو الحملات الإعلامية، بل امتدت إلى تهديدات بالقتل، واستهداف مباشر لعائلتها، وإجراءات عقابية غير مسبوقة طالت حياتها الشخصية والمهنية بعد مواقفها العلنية التي وصفت ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية. وتقول ألبانيز في تلك المقابلة إن حياتها منذ صدور تقريرها الشهير في مارس 2024 بعنوان “تشريح الإبادة الجماعية” تحولت إلى ما يشبه “قطار الموت”، في وصف يعكس حجم الكلفة التي دفعتها مقابل تمسكها بخطاب حقوقي صادم لكثير من الحكومات الغربية.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها لا تصدر عن ناشطة مستقلة أو كاتبة رأي، بل عن خبيرة أممية تشغل منصبًا ضمن نظام الإجراءات الخاصة التابع للأمم المتحدة، وهو منصب غير مدفوع الأجر ويعتمد على التحقيق المستقل وتقديم التقارير إلى المؤسسات الدولية. وتؤكد الغارديان أن الحرب على غزة دفعت ألبانيز إلى صدارة المشهد العالمي، بعدما كانت هذه المناصب الأممية تعمل غالبًا بعيدًا عن الأضواء. كما أن حضورها ازداد تأثيرًا بعد سلسلة تقارير وبيانات أممية لاحقة واصلت فيها توصيف ما يجري في غزة بلغة قانونية وسياسية حادة، من بينها تقرير صدر في يوليو 2025 عن دور الشركات والاقتصاد العالمي في دعم ما وصفته بـ“اقتصاد الإبادة”.
من تقرير “تشريح الإبادة” إلى مواجهة مفتوحة مع الغرب
مثّل تقرير ألبانيز الصادر في مارس 2024 نقطة التحول الأساسية في مسارها. فالغارديان تشير إلى أنها لم تكن أول من استخدم تعبير “الإبادة الجماعية” لوصف ما يحدث في غزة، لكنها كانت من أوائل من فعلوا ذلك من داخل موقع أممي رسمي بهذا الوضوح، ما منح توصيفها وزنًا سياسيًا وقانونيًا كبيرًا. ومنذ ذلك الحين لم تقتصر انتقاداتها على الحكومة الإسرائيلية أو الجيش الإسرائيلي، بل امتدت أيضًا إلى الحكومات الغربية والشركات التي اعتبرت أنها توفر الغطاء السياسي أو الاقتصادي أو التقني لاستمرار الحرب.
ولم تتراجع ألبانيز بعد ذلك، بل وسعت نطاق خطابها وتحقيقاتها. ففي تقريرها المرفوع إلى مجلس حقوق الإنسان في يوليو 2025 بعنوان “من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة”، تناولت بصورة مباشرة دور كيانات اقتصادية وشركات خاصة في دعم منظومة الاحتلال والحرب، معتبرة أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالقرار العسكري الإسرائيلي، بل ببنية دولية أوسع تستفيد من إدامة هذه المنظومة. وقد نشر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان نص التقرير وملخصاته، بما عزز حضور ألبانيز كصوت يتجاوز حدود الرصد الحقوقي التقليدي إلى مساءلة شبكات المصالح العابرة للدول.
هذا التحول جعل ألبانيز في قلب صراع يتجاوز شخصها. فهي لا تقدم فقط قراءة قانونية لما يحدث في غزة، بل تطرح اتهامًا أوسع لمنظومة دولية تعتبر أنها سمحت باستمرار الكارثة. ومن هنا أصبح استهدافها، في نظر مؤيديها، جزءًا من معركة أكبر حول من يملك حق تعريف الجريمة، ومن يملك شرعية مساءلة الدول الحليفة للغرب حين تتهم بارتكاب فظائع جماعية. أما منتقدوها، فيرون أن لغتها السياسية الحادة تجعلها أقرب إلى ناشطة منحازة منها إلى خبيرة أممية. والغارديان نفسها نقلت وجود هذا الجدل، لكنها أبرزت في المقابل أن ألبانيز ترفض الفصل بين القانون والسياسة في ملف تعتبره مشبعًا بالسلطة والعنف والمصالح الدولية.
تهديدات بالقتل وعقوبات غير مسبوقة ضد مسؤولة أممية
أخطر ما كشفته مقابلة الغارديان لا يتعلق فقط بالجدل حول مواقف ألبانيز، بل بطبيعة الثمن الشخصي الذي دفعته. فالصحيفة نقلت عنها أنها تلقت تهديدات مباشرة بالقتل، وأن عائلتها تعرضت للاستهداف، بما في ذلك تهديدات مرتبطة بابنتها. كما تحدثت عن لجوئها إلى الشرطة وطلب الحماية بعد تلقي تهديدات وصفتها بأنها شديدة الخطورة. وبهذا المعنى، فإن استهدافها لم يعد مجرد سجال سياسي أو مهني، بل أصبح مسألة أمن شخصي وعائلي.
وتزداد خطورة القضية لأن الضغوط لم تأتِ فقط من أفراد مجهولين أو جماعات ضغط، بل من مستويات رسمية أيضًا. فبحسب الغارديان، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات عليها، ووصفت الصحيفة هذه الخطوة بأنها غير مسبوقة ضد مسؤول أممي. وذكرت أن تلك العقوبات أدت إلى مصادرة شقتها في واشنطن، وحرمانها من استخدام الخدمات المصرفية وبطاقات الائتمان، ما جعل حياتها اليومية شديدة التعقيد. كما وصفت ألبانيز هذه الإجراءات بأنها نوع من “العقوبة القاسية” المفروضة من دون مسار قانوني عادل يتيح لها الدفاع عن نفسها.
ولا تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ ذكرت الغارديان أن زوجها، وهو اقتصادي بارز في البنك الدولي، تعرض بدوره لضغوط مهنية قالت ألبانيز إنها جاءت ضمن حملة استهداف أوسع للعائلة. كما تحدثت الصحيفة عن دعوى قضائية رفعها زوجها وابنتهما، التي تحمل الجنسية الأمريكية، ضد ترامب ومسؤولين في إدارته أمام محكمة فدرالية في واشنطن، على أساس أن هذه الإجراءات انتهكت حقوقًا دستورية أساسية، منها حرية التعبير والحماية القانونية للممتلكات. هذا التطور يكشف أن القضية انتقلت من ساحة الرأي العام إلى ساحة القضاء، ما يمنحها أبعادًا سياسية ودستورية تتجاوز النزاع حول تصريحات ألبانيز وحدها.
غزة صنعت رمزًا جديدًا في معركة الخطاب والشرعية
في المقابل، يبدو أن محاولات تقييد ألبانيز لم تؤد إلى عزلها بقدر ما أسهمت في تحويلها إلى رمز لدى قطاعات متزايدة من الرأي العام، خاصة في الأوساط الطلابية والحقوقية الغربية. فالغارديان تشير إلى أنها باتت تمثل لدى كثيرين صوتًا صريحًا في مواجهة الصمت الرسمي الغربي، وأن محاضراتها وظهورها العلني يجذبان جمهورًا واسعًا، كما حدث في جنيف حيث تجاوز الحضور الطاقة الاستيعابية لإحدى القاعات. وتستمد ألبانيز هذا الزخم من كونها تقدم خطابًا يجمع بين التوثيق القانوني والسرد الإنساني، وهو ما يظهر أيضًا في كتابها “عندما ينام العالم” الذي يضم قصصًا وشهادات عن فلسطين ويعيد تقديم المأساة بصيغة شخصية وأخلاقية.
كما تعكس مكانتها الجديدة تحولا أوسع في الخطاب الغربي حول غزة. فالمفارقة أن استهدافها، بدل أن يُضعف رسالتها، ساهم في توسيع دائرة التعاطف معها ومع القضية التي تدافع عنها. وتقول الغارديان إن ألبانيز ترى أن رد الفعل الشعبي الحالي على ما يجري في غزة يتجاوز، من حيث الحدة والوعي، ما شهده العالم إزاء مذابح سابقة مثل رواندا والبوسنة، لأن الجرائم اليوم تقع أمام الكاميرات وفي ظل دعم سياسي وعسكري واضح من دول كبرى. هذه المقارنة لا تخلو من الجدل، لكنها تكشف كيف ترى ألبانيز أن معركتها ليست مع إسرائيل وحدها، بل مع بنية دولية كاملة تسعى إلى إعادة تعريف حدود المقبول والمسموح في زمن الحروب الحديثة.
في النهاية، تكشف قصة فرنشيسكا ألبانيز كما عرضتها الغارديان أن الحرب على غزة لم تخلق فقط مأساة إنسانية وسياسية في فلسطين، بل أنتجت أيضًا معركة عالمية على اللغة والشرعية والذاكرة. فمن يصف ما يجري بالإبادة يدفع ثمنًا، ومن يحاول كسر الصمت يواجه العزل والتشهير وربما العقاب المباشر. ومع ذلك، تؤكد ألبانيز أنها لن تتراجع، وأن خوفها لم يعد أقوى من قناعتها. وهنا تحديدًا تكمن دلالة قصتها: ليست فقط حكاية مسؤولة أممية تحت التهديد، بل صورة مكثفة لعصر بات فيه الدفاع عن غزة اختبارًا مكلفًا للضمير والحرية والموقع السياسي في آن واحد.

