يعد تعثر صفقة جبل الزيت ليس مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحول إلى اختبار قاسٍ يكشف طريقة إدارة الحكومة المصرية لملف بيع الأصول الاستراتيجية تحت ضغط أزمة العملة الأجنبية. فالصفقة التي اقتربت قبل أسابيع من الإغلاق لصالح شركة ألكازار بتقييم يدور حول 416-420 مليون دولار، عادت لتواجه خطر التجميد بعد اعتراضات من ممولين أوروبيين على إجراءات نقل الملكية، في وقت تعد فيه المحطة واحدة من أكبر مشروعات طاقة الرياح في مصر بقدرة 580 ميغاواط.
الأخطر أن محطة بهذا الحجم ليست مجرد أصل يمكن إدراجه في برنامج الطروحات، بل مرفق حيوي دخل الخدمة عبر ترتيبات تمويل وتنفيذ معقدة، ما يعني أن أي محاولة للبيع دون ضبط قانوني ومالي كامل قد ترتد على الدولة نفسها.
الحكومة باعت الوهم قبل أن تضمن الصفقة
المشكلة الأولى في ملف جبل الزيت ليست في التجميد نفسه، بل في أن الحكومة سوقت الصفقة سياسياً واقتصادياً قبل أن تتأكد من قدرتها على تمريرها. تقارير مارس 2026 تحدثت عن دخول الصفقة “المرحلة النهائية” بقيمة تقارب 416 مليون دولار، ثم ظهرت لاحقاً تقارير تؤكد أن البيع يواجه خطر الفشل بسبب اعتراضات ممولين أوروبيين على نقل الملكية من دون الرجوع إليهم. هذا التناقض لا يعكس فقط ارتباكاً تنفيذياً، بل يضرب مصداقية برنامج الطروحات برمته، لأن الدولة بدت وكأنها تتعامل مع أصل ممول بشروط دولية معقدة كما لو كان عقاراً جاهزاً للتصرف السريع.
ومن زاوية السوق، يفسر بلال بسيوني، رئيس إدارة التنبؤ بالمخاطر في PANGEA-RISK، هذا النوع من التعثر بأن خلافات تقييم الأصول تظل من أهم أسباب بطء البرنامج الحكومي، وهو تشخيص ينطبق بقوة على جبل الزيت: فحين تكون الحكومة تحت ضغط للحصول على الدولار، بينما المستثمر يفاوض على أصل حساس، تصبح مساحة الخطأ أكبر من مساحة المناورة. المعنى هنا أن الأزمة ليست فقط في السعر، بل في أن الحكومة تدخل التفاوض وهي الطرف الأكثر استعجالاً، وبالتالي الأضعف سياسياً ومالياً.
الطروحات الحكومية تصطدم هذه المرة بجهل شروط التمويل
ما كشفه ملف جبل الزيت أخطر من مجرد تأخر صفقة؛ إذ أظهر حدود فكرة “الخصخصة السريعة” عندما يتعلق الأمر بأصول أُنشئت عبر تمويلات تنموية ومؤسسية. فالبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية نشر بالفعل في 2024 مشروع تمويل للاستحواذ على المحطة عبر قرض طويل الأجل يصل إلى 140 مليون دولار، قبل أن يسجل المشروع لاحقاً بحالة ملغى. هذا وحده يكشف أن الصفقة لم تكن مجرد توقيع بين حكومة ومستثمر، بل كانت تحتاج إلى إعادة ترتيب كاملة لسلسلة التمويل والملكية والتشغيل.
هنا تبدو ملاحظة علي متولي، الاستشاري الاقتصادي في Ibis للاستشارات، شديدة الدلالة؛ إذ يرى أن ضعف تجهيز الشركات ومشكلات التسعير العادل وغياب خطوات تنفيذية واضحة للتخارج المنظم من بعض القطاعات من أبرز أسباب التعثر في برنامج الطروحات. وفي حالة جبل الزيت، يمكن إضافة سبب أكثر إحراجاً: أن الحكومة تحركت في ملف شديد الحساسية قبل حسم أسئلته القانونية والتمويلية. أي أنها لم تتأخر لأن السوق لم يأتِ، بل لأنها لم تُحسن إعداد الأصل نفسه للبيع.
التفريط في أصل تحتاجه الدولة وقت أزمة الطاقة
سياسياً واقتصادياً، تبدو محاولة بيع جبل الزيت في هذا التوقيت محل شك كبير. فمصر ترفع مستهدفاتها للطاقة المتجددة، وتؤكد وثائق رسمية وتجارية أن الرياح والشمس ركيزة أساسية في مزيج الكهرباء، مع أهداف تتجه إلى 42% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، بل وأكثر من 60% بحلول 2040 في بعض الخطط المحدثة. كما أن خبراء الطاقة يشددون على أن توسع مصر في الرياح ليس ترفاً، بل ضرورة لخفض الاعتماد على الوقود التقليدي وتعزيز أمن الطاقة.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور حافظ سلماوي، الرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، إن طاقة الرياح ستكون المكون الرئيسي في مزيج الطاقة المصري خلال السنوات المقبلة، مع تأكيده أن تطوير الشبكة شرط أساسي لتحقيق هذه المستهدفات. دلالة هذا الرأي أن جبل الزيت ليس أصلاً هامشياً يمكن التخارج منه بلا كلفة استراتيجية، بل جزء من العمود الفقري لأي تحول جاد في قطاع الكهرباء. لذلك فإن الإصرار على بيعه تحت ضغط نقص الدولار يبدو أقرب إلى إدارة أزمة سيولة قصيرة الأجل على حساب أمن الطاقة طويل الأجل.

