دفعت وزارة الأوقاف بخطاب ديني مباشر يدعو المصريين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء في البيوت والمساجد، وقررت وقف إنارة المآذن والقباب والإضاءات الخارجية، والاكتفاء بالحد الضروري من الإنارة الداخلية، وتأجيل الاحتفالات والمؤتمرات والأنشطة غير الضرورية، ثم خصصت الخطبة الثانية ليوم الجمعة 3 أبريل 2026 لموضوع ترشيد استهلاك الكهرباء. هذا التحرك لم يأت منفصلًا عن سياق أوسع، لأن الحكومة نفسها كانت قد أقرت قبل ذلك بأيام ضوابط رسمية لترشيد الإنفاق العام في الجهات الداخلة في الموازنة، مع حظر أوجه صرف كثيرة، وتأجيل غير العاجل من النفقات، والحد من الاجتماعات واللجان والأنشطة. لذلك لم يُقرأ خطاب الأوقاف باعتباره وعظًا دينيًا محايدًا، بل باعتباره ذراعًا دعوية لسياسة تقشفية تنزل إلى الشارع والمنبر والمسجد والبيت، وتبدأ بالمواطن العادي قبل أن تقدم للرأي العام كشفًا واضحًا بما وفرته مؤسسة الحكم نفسها من نفقات المراسم والبروتوكول والفعاليات الكبرى.

 

 

جاء هذا المشهد بينما كان قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي يتحدث رسميًا، في 24 مارس 2026، عن ضرورة ترشيد الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات وخفض المديونية الحكومية، وفي الوقت نفسه ظل الموقع الرسمي للرئاسة يوثق استمرار حضور السيسي في الفعاليات والمؤتمرات والاحتفاليات العامة. وبالتوازي مع ذلك، أظهرت بيانات منشورة في 12 أبريل 2026 ارتفاع الدين الخارجي لمصر إلى 163.91 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، بنسبة زيادة 5.6% خلال العام. هذا التزامن هو الذي صنع جوهر المفارقة السياسية، لأن الأوقاف طالبت الناس بإطفاء المصابيح الزائدة وفصل القوابس وتأجيل الأنشطة، بينما ظل رأس السلطة حاضرًا في مشهد عام لم يتخلص من رموز الإنفاق المرتفع التي تراكمت حوله طوال السنوات الماضية. ومن هنا لم يعد السؤال متعلقًا بأصل الترشيد، بل بمن يبدأ به، ومن يقدمه للناس قدوة عملية قبل أن يطالبهم بالتحمل والصبر.

 

وعظ الأوقاف يبدأ من البيت بينما يبقى قصر الحكم خارج المقارنة الرسمية

 

بعد ذلك، وسعت الأوقاف دائرة الرسالة حين قدمت الاقتصاد في استهلاك الطاقة باعتباره واجبًا دينيًا ووطنيًا، وربطت بين حسن إدارة الموارد وبين صمود المجتمع في وجه الظروف العالمية. لكن خطاب الأوقاف نفسه اصطدم سريعًا بصورة السيسي وهو يدعو إلى الترشيد من قمة السلطة من دون أن يسبق ذلك إعلان سياسي واضح يبين خفضًا مماثلًا في نمط الإنفاق المرتبط بالرئاسة. وهنا ظهر التناقض الذي التقطه الرأي العام فورًا، لأن الأوقاف طالبت المواطن بالاقتصاد في المصباح الصغير، بينما تركت السلطة السؤال الأكبر معلقًا حول إنفاقها هي.

 

ثم تعمق هذا التناقض لأن قرار الحكومة المنشور في الوقائع الرسمية لم يقتصر على دعوة عامة، بل نص على قصر الصرف على الأغراض الحتمية والضرورية فقط، وحظر زيادات كثيرة في المصروفات، كما قيد الاجتماعات واللجان والأنشطة. وفي الاتجاه نفسه، أوقفت الأوقاف إنارة المآذن والقباب وأرجأت المؤتمرات والاحتفالات غير الضرورية. لكن الرئاسة، في المواد المنشورة على موقعها الرسمي، واصلت تقديم صورة سلطة تتحرك داخل إطار دائم من الفعاليات والاحتفاليات والمؤتمرات العامة التي يرعاها السيسي أو يحضرها.

 

وفي هذا السياق، حذرت الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد، في ديسمبر 2025 من أن أقساط وفوائد الدين أصبحت عبئًا ثقيلًا على الموازنة، ودعت إلى تقليل الاقتراض بصورة كبيرة وتوجيهه فقط إلى مجالات قادرة على تحقيق عائد فعلي. وتكتسب هذه الشهادة أهمية مباشرة هنا، لأن خطاب الأوقاف يطالب المصريين بالتقشف اليومي، بينما تقول المهدي إن أصل الأزمة أعمق ويتعلق بترتيب أولويات الإنفاق والاقتراض داخل الدولة نفسها، أي داخل الدائرة التي يقودها السيسي لا داخل بيوت المواطنين.

 

القصور والمؤتمرات والطائرات تعيد سؤال القدوة إلى واجهة الأزمة

 

بعد ذلك، يعود ملف القصور الرئاسية إلى قلب المشهد كلما تحدثت الأوقاف عن الاقتصاد وكلما تحدث السيسي عن الترشيد. ففي 14 سبتمبر 2019، قال السيسي علنًا إنه بنى قصورًا رئاسية وسيبني غيرها باسم الدولة لا باسمه. وهذه العبارة بقيت حاضرة لأن صدورها من السيسي نفسه جعلها مرجعًا ثابتًا في أي نقاش لاحق عن التقشف. لذلك صار خطاب الأوقاف عن عدم الإسراف محاطًا تلقائيًا بهذه المقارنة، وصار المواطن يسمع نصيحة المنبر وهو يتذكر أن رئيس الدولة لم ينكر أصل الإنفاق على القصور بل دافع عنه علنًا.

 

وفي امتداد الصورة نفسها، استمرت الرئاسة في إبراز المؤتمرات والفعاليات الكبرى ضمن نشاطها العلني، كما شهد السيسي في فبراير 2026 انطلاق مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة. وهذه الوقائع لا تصبح محل اعتراض بسبب انعقاد مؤتمر في ذاته، بل بسبب تزامنها مع قرارات حكومية تمنع أو تحد من المؤتمرات والفعاليات غير الضرورية داخل جهات الدولة، ومع تعليمات من الأوقاف ترجئ الاحتفالات والأنشطة لخفض الاستهلاك. وهكذا لم تعد المشكلة في المناسبة وحدها، بل في ازدواج المعايير بين قمة السلطة وبقية مؤسسات الدولة والمجتمع.

 

ولم يتوقف السجال العام عند القصور والمؤتمرات فقط، بل امتد منذ سنوات إلى الطائرات الرئاسية والسيارات الفارهة والساعات وملابس السيدة انتصار وحتى الدراجة التي ظهر بها السيسي في مناسبات سابقة، بوصفها جميعًا رموزًا لصورة سلطة متخمة بالمظاهر في وقت تطلب فيه الأوقاف من الناس الاقتصاد في الإنارة والأجهزة المنزلية. وبعض هذه الملفات ارتبط بتقارير عن صفقات طائرات رئاسية وباتهامات علنية بإهدار المال العام طالت السيسي وزوجته وعددًا من المسؤولين، وهو ما وسع هوة الثقة بين خطاب الترشيد الرسمي وصورة الحكم في المجال العام.

 

حين ترتفع الديون وتُفرض المواعظ على الفقراء تصبح الأوقاف غطاءً لسياسات السيسي

 

ومن هنا يصبح الربط بين الأوقاف والسيسي ربطًا مباشرًا لا يحتاج إلى اجتهاد كبير، لأن الأوقاف تطلب من المصريين الآن توفير كل وحدة طاقة، بينما تكشف الأرقام الرسمية أن الدين الخارجي ارتفع إلى 163.91 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025. ومعنى ذلك أن المواطن لم يعد يواجه فقط وعظًا عن فضيلة الاقتصاد، بل يواجه أيضًا نتيجة سياسات مالية واقتصادية لم يصنعها هو، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يتحمل الفاتورة عبر خفض الاستهلاك والقبول بالمزيد من القيود اليومية.

 

وفي قراءة أكثر مباشرة، قال الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي في أكتوبر 2025 إن رفع سقف الاقتراض المحلي يؤكد اعتماد الحكومة الكبير على أدوات الدين لتغطية احتياجات الموازنة، كما أشار في ديسمبر 2025 إلى أن فوائد الديون تلتهم نسبة ضخمة من الإيرادات العامة. وهذه الملاحظات تضرب قلب خطاب الأوقاف، لأن المشكلة التي تُعرض على المواطن باعتبارها مسألة سلوك فردي في استهلاك الكهرباء ترتبط في جوهرها بسياسات إنفاق وتمويل أوسع اتخذتها الدولة تحت قيادة السيسي خلال السنوات الماضية.

 

ثم أضاف ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، في ديسمبر 2025 ويناير 2026 أن ما يصل فعليًا إلى الفقراء من الدعم يمثل نسبة محدودة من مجمل إنفاق الموازنة، بينما تستمر الضغوط المعيشية مع سياسات صندوق النقد ورفع الأعباء. وتكشف هذه الملاحظة سبب الغضب من بيان الأوقاف تحديدًا، لأن السيسي يطلب عبر أجهزة دولته من الفقير أن يقتصد أكثر، في وقت تشير فيه قراءات الخبراء إلى أن العبء يقع أصلًا على الفئات الأضعف لا على دوائر الإنفاق الأعلى كلفة في الدولة.

 

وأخيرًا، لا تبدو أزمة بيان الأوقاف في لغته الدينية ولا في دعوته إلى عدم الإسراف، بل في كونه صدر داخل بنية حكم يطالب الناس بالتقشف بينما لم ينجح في إقناعهم بأنه طبق المنطق نفسه على نفسه أولًا. لذلك بقي اسم الأوقاف ملتصقًا باسم السيسي في هذه القضية، لأن الوزارة خاطبت المواطن باسم الفضيلة، بينما ظل السيسي حاضرًا باسم القصور والمؤتمرات والطائرات وصورة السلطة الباذخة. وعندما تصل المفارقة إلى هذا الحد، يتحول وعظ الترشيد من دعوة أخلاقية إلى دليل جديد على أن الدولة تطلب من المصريين ما لا تظهر هي استعدادًا مماثلًا للالتزام به.