تصاعدت حدة الخطاب التركي ضد الحكومة الإسرائيلية على نحو لافت، بعدما أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اليوم، أن بنيامين نتنياهو يسعى إلى إعلان تركيا عدوا جديدا بعد إيران، في تصريح حمل اتهاما سياسيا مباشرا لرئيس حكومة الاحتلال، وربط بين سلوك تل أبيب العسكري وبين حاجتها الدائمة إلى توسيع دائرة الصدام في الإقليم. وجاءت تصريحات فيدان خلال لقائه محررين في مقر وكالة الأناضول في أنقرة، حيث قال أيضا إن إسرائيل لا تستطيع العيش من دون عدو، وإن ما يجري في لبنان يدخل ضمن السياسات التوسعية الإسرائيلية، محذرا من أن استمرار هذا المسار قد يدفع المنطقة إلى صراع أوسع. وأظهرت التصريحات أن أنقرة لم تعد تتعامل مع التحركات الإسرائيلية باعتبارها أزمة منفصلة، بل باعتبارها مسارا متصلا يمتد من غزة إلى لبنان وصولا إلى التوتر مع تركيا نفسها.

 

جاءت هذه المواقف التركية في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تزامن كلام فيدان مع خلاف متصاعد حول مضيق هرمز، بعد إعلان إيران سعيها إلى فرض رسوم على السفن العابرة، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدء حصار على الموانئ الإيرانية اعتبارا من اليوم، عقب انتهاء محادثات استمرت 21 ساعة في إسلام آباد من دون اتفاق نهائي. وفي الوقت نفسه، أبدى الوزير التركي رفضه أن تتدخل دول لفتح المضيق بالقوة، وشدد على أنه يجب ألا تتعطل الملاحة فيه وألا تدفع أي دولة رسوما لعبوره. كما أكد أن تركيا ترى ضرورة تأسيس تحالف أمني إقليمي يعزز الثقة بين دول المنطقة، في إشارة واضحة إلى أن أنقرة تنظر إلى الأزمة باعتبارها نتيجة مباشرة لفشل القوى الكبرى في فرض استقرار حقيقي، وباعتبارها أيضا نتيجة لسماح واشنطن لتل أبيب بمراكمة وقائع عسكرية جديدة.

 

اتهام تركي مباشر لنتنياهو وتوسيع متعمد لدائرة العداء

 

وفي هذا السياق، وضع هاكان فيدان تصريحات أنقرة في مواجهة سياسية صريحة مع نتنياهو، عندما قال إن رئيس الحكومة الإسرائيلية يسعى إلى إعلان تركيا عدوا جديدا، مضيفا أن إسرائيل لا تستطيع العيش من دون عدو بعد إيران. وربط الوزير التركي هذا التوجه بالهجمات الإسرائيلية المتواصلة على تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، وبإعلان أنقرة إعداد لائحة اتهام بحق 35 إسرائيليا، بينهم نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، للاشتباه في استهداف أسطول الصمود العالمي المتجه لكسر الحصار عن غزة.

 

ثم عزز الخبير التركي سنان أولغن هذا المعنى في قراءة منشورة خلال مارس 2026، حين قال إن مصلحة تركيا تقوم على تجنب فوضى ممتدة في إيران، لكنها تقوم أيضا على منع خروج طهران منتصرة من الحرب، بما يكشف أن أنقرة تتعامل مع الإقليم من زاوية أمنها المباشر لا من زاوية الاصطفاف الأعمى. ولذلك فإن اتهام فيدان لنتنياهو لا يبدو مجرد انفعال سياسي، بل يبدو جزءا من تقدير تركي يعتبر أن إسرائيل تدفع الجميع إلى إعادة التموضع تحت ضغط النار.

 

هرمز بين رسوم طهران وحصار واشنطن واعتراض أنقرة

 

كما انتقل فيدان من مهاجمة نتنياهو إلى ملف مضيق هرمز، فأعلن أن بلاده ترى أنه من غير المناسب أن تتدخل دول لفتحه، وأكد أن عبور المضيق يجب ألا يتعطل، وأنه يجب ألا تدفع أي دولة رسوما لعبوره. وجاء هذا الموقف بينما قالت رويترز إن أنقرة أبدت قلقها من أي قواعد جديدة تفرضها إيران أو الولايات المتحدة في المضيق، وبعدما أعلن ترمب حصارا على الموانئ الإيرانية، في حين تمسكت طهران باعتبار أي اقتراب عسكري من المضيق خرقا للهدنة.

 

وبالتوازي، أظهرت التداعيات الاقتصادية خطورة هذا الاشتباك البحري، إذ ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن سعر الخام الأمريكي ارتفع 8% إلى 104.24 دولار للبرميل، وارتفع خام برنت 7% إلى 102.29 دولار، بينما يمر عبر المضيق عادة نحو خُمس النفط المتداول عالميا. وفي هذا الإطار، قال جيم كرين، الباحث في شؤون الطاقة بجامعة رايس، إن أي قفزة جديدة في عجز سوق النفط ستفرض ألما على كل شخص يخضع لأسعار السوق العالمية، وهو تحذير يفسر تشدد أنقرة ضد تحويل الممر البحري إلى أداة ابتزاز أو ساحة استعراض عسكري أمريكي إسرائيلي جديد.

 

لبنان يكشف حدود الهدنة ويفضح صمت واشنطن

 

بعد ذلك، ربط فيدان بين التوتر في هرمز والتصعيد في لبنان، فقال إن ما يشهده لبنان جزء من السياسات الإسرائيلية التوسعية، وحذر من أن الأزمة قد تتحول إلى صراع إقليمي. وأضاف الوزير التركي أن الهدنة التي أُعلن عنها بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين فُهم منها أنها تشمل لبنان، لكنه اتهم نتنياهو بأنه خرب ذلك كعادته، وقال إن أمريكا صمتت. وتنسجم هذه الرواية مع تقارير دولية أظهرت أن واشنطن وتل أبيب نفتا شمول لبنان بالهدنة، رغم أن وسطاء وآخرين فهموا العكس.

 

وفي تقدير موهاناد حاج علي، نائب مدير الأبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، فإن الضربات الإسرائيلية في لبنان بدت موجهة لعزل لبنان عن أي تفاهم أمريكي إيراني وزيادة الضغط على الدولة اللبنانية نفسها، مع دفعها نحو قبول شروط إسرائيل أو الانزلاق إلى مواجهة داخلية مع حزب الله. ويكتسب هذا التقدير وزنا إضافيا لأن رويترز نقلت أن الغارات الإسرائيلية العنيفة على لبنان بعد إعلان التهدئة أوقعت أكثر من 250 قتيلا في يوم واحد، وهو ما حوّل الهدنة من فرصة تهدئة إلى واجهة سياسية تخفي استمرار الحرب بأسلوب آخر.

 

وفي المحصلة، تكشف تصريحات فيدان أن تركيا لم تعد ترى الأزمة الجارية مجرد نزاع بين إسرائيل وإيران أو مجرد خلاف على ممر ملاحي، بل ترى مشهدا إقليميا تصنعه حكومة نتنياهو عبر توسيع الجبهات، وتغطيه واشنطن بالصمت حين يتعلق الأمر بلبنان، وتتركه مفتوحا على مزيد من الفوضى حين يتعلق بهرمز. ولذلك فإن الرسالة التركية بدت واضحة ومباشرة، فأنقرة ترفض فرض رسوم على الملاحة، وترفض عسكرة فتح المضيق، وترفض أيضا أن تتحول الهدنة إلى ستار يسمح لإسرائيل باستكمال هجماتها على لبنان وتصدير عدو جديد إلى المنطقة.