قدّمت الحكومة المصرية، خلال الأيام الماضية، ملف ترشيد الكهرباء باعتباره استجابة ضرورية لارتفاع كلفة الطاقة، بينما قدّم أمجد الوكيل، عضو الجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء، أرقامًا قال إنها تعكس وفرًا مباشرًا يمكن قياسه دون افتراضات إضافية.
ووفق هذه التقديرات، فإن خفض الاستهلاك خلال أسبوع واحد بلغ نحو 18 ألف ميجاوات⋅ساعة، أي ما يوازي قرابة 18 مليون كيلووات⋅ساعة، بما يرفع القيمة الاقتصادية للوفر إلى نحو 50.2 مليون جنيه أسبوعيًا، أو قرابة مليون دولار وفق متوسط سعر صرف يدور حول 50 جنيهًا للدولار.
غير أن جوهر الجدل لم يعد متعلقًا بصحة العملية الحسابية نفسها، بل بالسؤال الذي يفرض نفسه على الشارع التجاري والمعيشي في مصر: هل يستحق هذا الوفر المحدود، قياسًا بحجم الاقتصاد والضغوط الاجتماعية، غلق المحال مبكرًا، وتقليص ساعات العمل، ودفع أصحاب الأنشطة والعاملين إلى تحمل كلفة يومية مباشرة في دخولهم وأرزاقهم.
في هذا السياق، اتخذت الحكومة منذ أواخر مارس سلسلة إجراءات متزامنة شملت غلق المحال والمولات والمقاهي والمطاعم التجارية عند الساعة 9 مساءً، مع اتجاه للتوسع في العمل عن بُعد في بعض الأيام، وذلك تحت ضغط قفزة في فاتورة استيراد الطاقة.
وقد قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن كلفة واردات الطاقة تضاعفت بما يتراوح بين مرتين ومرتين ونصف منذ اندلاع الحرب، بينما قفزت فاتورة استيراد الغاز الطبيعي الشهرية من نحو 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الخام والديزل ووقود الطهي.
لكن هذه الصورة الرسمية، رغم وضوحها المالي، لا تُنهي الأزمة سياسيًا واجتماعيًا، لأن القرار لا يُنفَّذ على ورق الحسابات فقط، بل يُنفَّذ على مدينة تعمل ليلًا، وعلى سوق يرتبط جزء مهم من دورته اليومية بالفترة المسائية، وعلى عمالة تعتمد أصلًا على الساعات الممتدة لتعويض تآكل الدخل.
أرقام الوفر الرسمي تصطدم بسؤال الكلفة الاجتماعية
وبحسب التقديرات التي أعلنها أمجد الوكيل، فإن الوفر الناتج عن خفض الاستهلاك خلال أسبوع واحد يصل إلى الحد الأقصى الحسابي عند تسعيره وفق أعلى شريحة كهرباء، وهو ما يمنح الحكومة مادة رقمية سهلة التداول سياسيًا وإعلاميًا، لأن الرقم يبدو واضحًا ومباشرًا ومفهومًا لدى الجمهور، حتى قبل مناقشة تركيبته الفعلية أو مدى تعبيره عن الوفر الحقيقي في الوقود والتشغيل.
ثم إن الحكومة دعمت هذا المسار بخطوات إضافية، إذ كشفت تقارير صحفية عن وفر يومي في استهلاك الوقود يتراوح بين 33 و40 مليون جنيه خلال الأيام الأولى من تطبيق إجراءات الترشيد، بما يعني أن السلطة تتحرك بمنطق تحقيق خفض سريع في الإنفاق تحت ضغط أسواق الطاقة، لا بمنطق معالجة الخلل البنيوي في إدارة ملف الطاقة وتكلفة الإمدادات.
لكن هذا المنطق نفسه يفتح باب الاعتراض، لأن المقارنة هنا تدور بين وفر أسبوعي يقدَّر بنحو مليون دولار وبين خسائر متناثرة يومية يتحملها أصحاب المقاهي والمتاجر والعاملون بنظام الورديات الليلية. وقد نقلت رويترز عن أصحاب أعمال في القاهرة أن الإيرادات هبطت بشكل حاد، وأن بعض المنشآت خفّضت الورديات بالفعل، فيما قال أحد أصحاب المحال إن دخل اليوم قد ينخفض إلى النصف بينما تظل الإيجارات والضرائب وفواتير الخدمات قائمة كما هي.
وفي الإطار نفسه، قال الدكتور حافظ سلماوي، رئيس مرفق الكهرباء الأسبق، إن الإجراءات التقنية التي تُتخذ حاليًا تستهدف تحقيق وفر سريع وتظل حلولًا قصيرة الأمد، بينما يبقى ترشيد الطاقة على المدى الطويل هو المسار الأكثر استدامة. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية مباشرة هنا، لأنها تعني أن الحكومة تلجأ إلى علاج مؤقت وقاسٍ اجتماعيًا، بدل بناء سياسة تخفّض الفاقد وترفع الكفاءة من دون نقل العبء فورًا إلى الشارع التجاري والمستهلك.
التجار والعمال يدفعون ثمن قرار صيغ على مقاس الأزمة لا على مقاس السوق
وفي السوق التجارية، ظهرت الاعتراضات بسرعة لأن القرار مسّ الساعات التي تعتمد عليها أنشطة بعينها في تحقيق الجزء الأكبر من مبيعاتها. وقد قال أسامة الشاهد، رئيس الغرفة التجارية بالجيزة، إن الغرفة ستتقدم بمذكرة رسمية لإعادة دراسة قرار الغلق، موضحًا أن هناك أنشطة يتحقق دخلها الأساسي خلال الفترة المسائية، وأن تبكير الإغلاق يؤثر مباشرة على دخل المواطنين والتجار الذين يعتمد بعضهم على العمل الإضافي ليلًا لتحسين دخولهم.
كما اتسعت دائرة الاعتراض من التجارة إلى التشغيل نفسه، لأن المسألة لا تقف عند حدود انخفاض المبيعات. فقد نقلت بوابة الشروق عن سيد النواوي، نائب رئيس غرفة القاهرة التجارية، أن القرار قد يفضي إلى تسريح عمالة تعمل في المقاهي والمطاعم بنظام الورديات الليلية، وهو ما يحول بند الترشيد من إجراء إداري إلى عبء مباشر على فرص العمل في قطاعات تعتمد بطبيعتها على الليل والسهر وحركة المستهلك بعد التاسعة مساءً.
ثم إن المشهد الميداني الذي وثقته رويترز أظهر أثرًا أوسع من مجرد تقليص الإضاءة أو تقصير ساعات العمل، إذ بدت شوارع القاهرة أكثر هدوءًا من المعتاد، وتحدث أصحاب مقاهٍ ومحال عن تراجع الزبائن وتبدل نمط المدينة نفسه. وهذا التغير لا يحمل بعدًا اجتماعيًا فقط، بل يحمل أثرًا اقتصاديًا واضحًا، لأن جزءًا كبيرًا من الاستهلاك الحضري في القاهرة يتحقق ليلًا داخل المقاهي والمتاجر والصالات والخدمات المرتبطة بها.
وبحسب محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية سابقًا، فإن قرار غلق المحال والمقاهي عند التاسعة مساءً ستكون له تداعيات سلبية على مختلف القطاعات، كما أنه قد يؤثر على حركة التوريدات للمصانع. وأضاف أن نسبة استهلاك المحال التجارية من الكهرباء والغاز لا تتجاوز 8% في تقديره، وهو ما يدفع إلى إعادة طرح سؤال الجدوى: هل يبرر هذا الهامش من الاستهلاك تعطيل دورة بيع وتوزيع وتشغيل أوسع بكثير من رقم الوفر المعلن.
الضغط الخارجي حقيقي لكن إدارة الأزمة داخليًا تكشف حدود الاختيار الحكومي
ومن الناحية الاقتصادية الأوسع، لا يمكن فصل قرارات الترشيد عن الاضطراب الإقليمي الذي رفع كلفة الطاقة على مصر. فقد قال الدكتور وائل النحاس إن تداعيات التصعيد لا تتوقف عند أسعار النفط والغاز، بل تمتد إلى ميزان المدفوعات وسوق النقد الأجنبي وحركة الاستثمارات، وأن استمرار الأزمة لأكثر من شهر يضاعف الضغوط على دول المنطقة، ومنها مصر، سواء عبر ارتفاع فاتورة الاستيراد أو تراجع التدفقات الدولارية.
لكن اعتراف الخبراء بحجم الضغط الخارجي لا يمنح تلقائيًا صك براءة لأسلوب الإدارة الداخلية. فقد أظهرت بيانات رويترز وصندوق النقد الدولي أن الحكومة تمضي أصلًا في مسار خفض دعم الطاقة واسترداد التكلفة، بالتوازي مع زيادات جديدة في أسعار الكهرباء على الشرائح التجارية وبعض الشرائح السكنية الأعلى استهلاكًا، بينما تلتهم فوائد الدين نحو نصف الإنفاق الحكومي في السنة المالية الجارية. وهذا يعني أن المواطن والتاجر يواجهان أثرًا مركبًا من ارتفاع الأسعار وتقليص ساعات التشغيل معًا، لا أثر قرار واحد معزول.
لذلك تبدو المسألة، في صورتها النهائية، أبعد من مجرد رقم وفر أسبوعي جرى حسابه بدقة. فالدولة تقول إنها وفرت نحو مليون دولار في الأسبوع، لكن السوق يقول إن القرار أعاد توزيع الكلفة على أصحاب المحال والعمال والزبائن والمدينة كلها. وعندما يصبح المكسب المالي المحدود قائمًا على غلق مبكر، وتراجع مبيعات، وتقليص ورديات، وحرمان قطاعات كاملة من ساعات رزقها الأساسية، فإن السؤال لا يعود عن إمكان حساب الوفر، بل عن عدالة الثمن الذي دُفع مقابله، وعن سبب بقاء المواطن الحلقة الأسرع استدعاءً كلما تعقدت فاتورة الدولة.

