أعاد إعلان الحكومة عن مشروع صيني ضخم للألومنيوم في شرق بورسعيد بقيمة 2 مليار دولار فتح سؤال قديم يتكرر مع كل مشروع صناعي كبير في مصر. لماذا تستطيع شركة أجنبية أن ترى في القطاع فرصة تستحق التمويل المباشر، بينما تتعامل الحكومة مع الصناعة نفسها من زاوية مختلفة تقوم على جلب الشريك الخارجي أو توسيع البيع أو الاحتماء بالاقتراض.

 

وجاء الإعلان الرسمي يوم 11 إبريل بعدما استقبل مصطفى مدبولي رئيس الشركة الصينية، وأكد استعداده لتقديم كل الدعم للمشروع، بينما طرح نائب رئيس الوزراء حسين عيسى خلال الاجتماع نفسه فكرة التعاون والشراكة مع شركة مصر للألومنيوم. وهذا الترتيب يكشف أن الدولة لم تدخل الملف باعتبارها المستثمر الأول في صناعة استراتيجية، بل باعتبارها الجهة التي توفر الأرض والحوافز وتبحث عن ممول وشريك.

 

وتزداد دلالة هذا المشهد عندما يوضع بجوار وضع شركة مصر للألومنيوم نفسها، وهي شركة عامة قائمة بالفعل، لديها مجمع صناعي ضخم في نجع حمادي، وتستهدف في موازنتها التقديرية للعام المالي 2026-2027 صافي ربح قدره 12.001 مليار جنيه ومبيعات متوقعة 48.219 مليار جنيه وصادرات بنحو 28.860 مليار جنيه. ومع ذلك، لا يظهر في الإعلان الرسمي أن الحكومة اتجهت إلى تمويل توسع مماثل من خلال هذه القاعدة المحلية، بل ظهر أنها تفضل منطق الشراكة وجذب الرساميل الخارجية في وقت تواصل فيه مواجهة عبء دين مرتفع، إذ قالت رويترز هذا الشهر إن فوائد الدين تستهلك نحو نصف الإنفاق الحكومي.

 

المشروع الصيني يكشف خلل الأولويات قبل أن يكشف فرصة استثمارية

 

أعلنت الحكومة أن شركة "خينان تشهنجفو" الصينية تريد إقامة مصنع للتصنيع المتقدم للألومنيوم على مساحة تتجاوز 1 مليون متر مربع في المنطقة الصناعية بشرق بورسعيد، وأن المشروع سيوفر نحو 3000 فرصة عمل مباشرة ويستهدف منتجات عالية القيمة مثل ألواح العبوات ورقائق البطاريات وصفائح السيارات والطيران والنقل السككي. وهذه كلها مؤشرات على مشروع صناعي ثقيل لا على نشاط تجاري هامشي، بما يعني أن المستثمر الأجنبي رأى جدوى واضحة في التمويل والإنتاج والتصدير من مصر.

 

ثم يطرح هذا المشهد سؤالًا مباشرًا على الحكومة نفسها، لأن رئيس الوزراء قال خلال الاجتماع إن مصر تحتاج هذه الصناعة بشدة، وأكد استعداده لتقديم كل الدعم للشركة. وعندما تقول السلطة إن الصناعة ضرورية وإن السوق المحلية تحتاجها بشدة، ثم يكون التمويل المباشر من الخارج لا من الدولة ولا من ذراعها الصناعية العامة، فإن المشكلة لا تبدو في غياب الفرصة الصناعية، بل في غياب قرار سياسي يجعل الدولة تبني توسعها بمواردها وشركاتها قبل أن تسلمه لشريك أجنبي.

 

وفي هذا السياق، كتب الدكتور محمد الجمال رئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية أن دخول الشركات الصينية إلى هذا القطاع ليس أمرًا عابرًا، لأن الصين أكبر منتج عالمي للألومنيوم وتمتلك خبرة واسعة في إنشاء المصانع وتشغيلها، وأضاف أن وجودها في مصر خطوة طبيعية ضمن توسعها الصناعي العالمي وفرصة لمصر للاستفادة من التكنولوجيا والخبرة. وهذه الشهادة تؤكد أن الصين لا تتحرك بدافع المجاملة السياسية، بل بدافع مصلحة صناعية محسوبة جيدًا.

 

ومع ذلك، فإن جوهر السؤال الذي أثاره الإعلان لا يتعلق فقط بسبب دخول الصين، بل يتعلق بسبب غياب الدولة المصرية عن موقع المستثمر الرئيسي في صناعة تملك فيها أصلًا قاعدة قائمة وخبرة بشرية وسوقًا محلية وصادرات قائمة. فالحكومة لم تعرض خطة تمويل وطني موازية، ولم تقل إنها ستضخ 2 مليار دولار عبر مصر للألومنيوم أو عبر صندوق صناعي سيادي، بل اكتفت بعرض الحوافز والدعم والحديث عن شراكة مستقبلية مع شركة عامة قائمة.

 

شركة عامة رابحة موجودة لكن الحكومة تفضل الشريك والتمويل الخارجي

 

تكشف الأرقام الخاصة بمصر للألومنيوم أن الدولة لا تبدأ من الصفر في هذا الملف. فالشركة رصدت موازنة استثمارية لتحديث مجمع نجع حمادي تتضمن مشروعات جديدة وتوسعات وإحلالًا وتجديدًا وإعادة تأهيل للمصهر الحالي، مع بنود استثمارية شملت تطوير الخلايا والمسـابك والبحوث والبنية اللوجستية. كما تستهدف الشركة صافي ربح 12.001 مليار جنيه في 2026-2027 رغم تراجع أرباح النصف الأول من 2025-2026 إلى 5.5 مليار جنيه بسبب ارتفاع تكاليف التطوير والكهرباء والخامات.

 

وبعد هذه الأرقام، يصبح من الصعب التسليم بالرواية الرسمية التي توحي بأن الدولة لا تملك إلا استقبال المستثمر الخارجي وانتظار شراكته. فالشركة العامة القائمة ما زالت تربح وتصدر وتستثمر وتملك بنية تشغيلية فعلية، لكن الحكومة نفسها طرحت في يناير اختيار شريك لتطوير مصر للألومنيوم بما يضاعف الإنتاج، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية عن وزير قطاع الأعمال. وهذا المسار يكشف أن الدولة تميل إلى تخفيف دورها التمويلي المباشر حتى في القلاع الصناعية التي ما زالت تعمل.

 

وفي هذا الإطار، حذر الدكتور مدحت نافع أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والرئيس الأسبق للشركة القابضة للصناعات المعدنية من اختزال فوائض الشركات العامة في كونها مصدرًا سريعًا لتمويل الموازنة، وكتب أن اقتطاع نحو مليار جنيه من فوائض مصر للألومنيوم عشية جائحة كورونا أضعف قدرة الشركة على مواجهة الصدمات. وأضاف أن إدارة فوائض هذه الشركات يجب أن تُعامل كأداة استراتيجية للاستقرار القطاعي لا كبند سريع لسد عجز الخزانة.

 

ثم يكتسب هذا التحذير معنى أشد عندما نتذكر أن نافع قال أيضًا في حوار منشور في مارس إن الشركات يجب أن تعمل وتنتج وتصدر وتتطور، لا أن تُدار فقط بمنطق محفظة الأصول المعروضة للطرح أو الشراكة أو النقل بين الصناديق والوحدات الحكومية. وهذا الكلام يضرب في صميم السؤال الحالي، لأن الحكومة حين تفكر أولًا في الشريك والممول الخارجي، فإنها تقدم إدارة الأصول على بناء القدرة الصناعية الوطنية.

 

الاقتراض وضغوط الصندوق يفسران لماذا تبتعد الدولة عن تمويل الصناعة

 

يأتي هذا التراجع في الدور التمويلي الحكومي وسط ضغط مالي ثقيل. فقد قالت رويترز في 4 إبريل إن مصر تواجه عبئًا ديونيًا ثقيلًا، وإن فوائد الدين تستهلك نحو نصف الإنفاق الحكومي هذا العام المالي، بينما أشار صندوق النقد الدولي في فبراير إلى أن الإصلاحات الهيكلية، خصوصًا ما يتعلق بخصخصة الشركات المملوكة للدولة، ما زالت متأخرة رغم التقدم في ملفات أخرى. وهذه البيئة تفسر لماذا تفضل الحكومة أن يأتي التمويل من الخارج بدل أن تتحمل كلفته بنفسها.

 

ثم يظهر أثر هذه الضغوط في الخطاب الاقتصادي الأوسع أيضًا. فقد قال الدكتور حسن الصادي أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة هذا الأسبوع إن جزءًا مهمًا من قرارات الحكومة الاقتصادية الأخيرة جاء استجابة لضغوط صندوق النقد الدولي لا فقط لضرورات السوق، وأشار إلى أن الدولة تتحرك تحت وطأة التزامات مالية وهيكلية. ورغم أن حديثه كان عن الوقود، فإن دلالته هنا واضحة لأن المسار نفسه قائم على تقليص العبء المالي المباشر على الدولة واللجوء إلى البيع أو الشراكة أو رفع الكلفة على المجتمع.

 

وبناء على ذلك، لا يبدو مشروع شرق بورسعيد مجرد خبر استثماري إيجابي كما أرادت الحكومة أن تقدمه، بل يبدو أيضًا انعكاسًا واضحًا لأزمة فكر اقتصادي ضاقت أدواته. فحين تكون الدولة عاجزة عن تمويل توسع صناعي استراتيجي في قطاع قائم لديها، ثم تعتبر الحل في أن يأتي المستثمر الأجنبي بالمليارات بينما تكتفي هي بالتيسير والوعود، فإن ما يتكشف ليس نقص الأموال فقط، بل تراجع الإرادة في لعب دور المنتج والمطور والممول.

 

فرصة حقيقية للصناعة لكن بعائد سياسي ومالي يميل للخارج

 

لا خلاف على أن المشروع الصيني قد يحقق عوائد إنتاجية وتصديرية وفرص عمل، وهذا ما قاله وليد جمال الدين رئيس المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عندما وصفه بأنه أول مشروع من نوعه في شرق بورسعيد، وتوقع له أثرًا على المبيعات والصادرات وعلى تشغيل أبناء سيناء ومدن القناة. كما أن طبيعة المنتجات التي ستصنعها الشركة تعني أن المشروع يضيف حلقات تصنيع أعلى قيمة من مجرد إنتاج المعدن الخام. وهذه مكاسب حقيقية لا يمكن إنكارها.

 

لكن هذه المكاسب نفسها تعيد السؤال الأكثر حرجًا على الحكومة. فإذا كان المشروع قادرًا على تحقيق مبيعات وصادرات ونقل خبرة وسد فجوة في السوق المحلية، فلماذا لا تكون الدولة شريكًا مالكًا وممولًا بأغلبية مؤثرة عبر مصر للألومنيوم أو عبر صندوق صناعي حقيقي، بدل الاكتفاء بدور الميسر الذي يمنح الأرض والحوافز وينتظر نصيبه غير المباشر من النشاط. والسؤال هنا ليس رفضًا للاستثمار الأجنبي، بل اعتراض على أن يتحول إلى بديل عن الدولة لا مكمل لها.

 

وفي هذا السياق، قال محمد الجمال إن إنشاء مصنع جديد في شرق بورسعيد مهم لتلبية الطلب المتزايد وتعزيز التصدير، لكنه ربط ذلك أيضًا بتوافر بيئة متكاملة تشمل الطاقة والاستثمار والبنية التحتية. بينما شدد مدحت نافع على أن الكهرباء تمثل العمود الفقري لصناعة الألومنيوم وأن الاستقرار التنافسي يحتاج معادلات ذكية لا قرارات اضطرارية. وعندما نضيف إلى هذا ما قاله حسن الصادي عن هيمنة ضغوط الصندوق على القرار الاقتصادي، تتضح الصورة كاملة: هناك فرصة صناعية حقيقية، لكن الدولة تدخلها وهي أضعف ماليًا وأقل ثقة في قدرتها على تمويلها بنفسها.

 

وهكذا يكشف مشروع الألومنيوم الصيني في شرق بورسعيد ما هو أعمق من عنوان الاستثمار الجديد. فهو يثبت أن مصر ما زالت تملك موقعًا وقدرة وسوقًا تسمح بجذب صناعات ثقيلة واستراتيجية، لكنه يثبت في الوقت نفسه أن الحكومة تدير هذا الباب بعقلية تبحث عن ممول خارجي وشريك يحمل العبء، لا بعقلية دولة تقود التصنيع من داخل شركاتها وأصولها. وعندما تصبح الإجابة الجاهزة لكل مشروع كبير هي الشريك الأجنبي والتمويل القادم من الخارج، فإن الأزمة لا تعود في نقص الدولارات وحده، بل في غياب فكر اقتصادي يرى في الصناعة العامة أصلًا يجب توسيعه لا عبئًا يجب تخفيفه.