فجّر الارتفاع غير المسبوق في أسعار تذاكر شركة مصر للطيران موجة انتقادات واسعة بعد أن وصلت تكلفة الرحلة الواحدة من دبي إلى القاهرة إلى نحو 3000 دولار، أي ما يعادل أكثر من 150 ألف جنيه، في وقت يفترض فيه أن يلعب الناقل الوطني دورًا إنسانيًا خلال الأزمات. الأزمة أعادت فتح ملفات أعمق تتعلق بأداء الشركة المالي وتراجع تصنيفها الدولي واحتمالات خصخصتها في ظل ضغوط مؤسسات مالية دولية لإخضاعها لرقابة مالية صارمة.

 

تذاكر بـ3000 دولار.. سياسات تسعير تثير الغضب

 

كشفت بيانات حجوزات حديثة أن أسعار تذاكر مصر للطيران للعودة من بعض العواصم الخليجية إلى القاهرة سجلت مستويات قياسية. فقد تراوحت أسعار الرحلات من دبي إلى القاهرة بين 2500 و3000 دولار للتذكرة الواحدة.

 

وبحسب بيانات السوق السياحي، وصلت تكلفة التذكرة على الدرجة الاقتصادية في بعض الرحلات إلى 128 ألف جنيه، بينما سجلت حالات أخرى أسعارًا وصلت إلى 165 ألف جنيه.

 

هذه الأرقام تعني أن تكلفة الرحلة الواحدة تعادل رواتب عدة أشهر لكثير من العاملين المصريين بالخارج، وهو ما أثار موجة انتقادات واسعة حول دور الناقل الوطني خلال الأزمات.

 

المفارقة الأكبر ظهرت عند مقارنة الأسعار بالاتجاه المعاكس. فالتذكرة من القاهرة إلى دبي لا تتجاوز 14 ألف جنيه في المتوسط، أي أقل بنحو 10 مرات من تكلفة الرحلة العكسية.

 

مصادر في قطاع الطيران أكدت أن الشركة قامت بإلغاء عدد من الحجوزات القديمة التي كانت بأسعار أقل، ثم أعادت طرح المقاعد بأسعار مرتفعة وفق آلية التسعير التجاري المرتبط بالطلب المرتفع على الرحلات.

 

خبراء النقل الجوي يرون أن هذا النموذج من التسعير قد يكون معتادًا في شركات الطيران التجارية، لكنه يصبح محل جدل عندما يتعلق الأمر بشركة مملوكة للدولة يفترض أن تراعي الظروف الإنسانية للمواطنين خلال الأزمات.

 

ضغوط صندوق النقد وتدقيق مالي يمهد للخصخصة

 

في الخلفية الاقتصادية للأزمة، تواجه شركة مصر للطيران ضغوطًا مالية ورقابية متزايدة. فقد طلبت جهات دولية بينها صندوق النقد الدولي الإفصاح الكامل عن البيانات المالية للشركة خلال 90 يومًا من نهاية ميزانية العام المالي 2023 – 2024.

 

ويأتي هذا الطلب ضمن برنامج أوسع يهدف إلى زيادة شفافية الشركات المملوكة للدولة في مصر، خاصة تلك التي تحصل على قروض أو دعم حكومي.

 

ووفق مصادر اقتصادية، تم إدراج مصر للطيران ضمن 5 هيئات حكومية كبرى ملزمة بالإفصاح المالي الكامل، إلى جانب قطاعات حيوية مثل المياه والكهرباء والمجتمعات العمرانية والسكك الحديدية.

 

تشمل إجراءات التدقيق مراجعة شاملة للديون والقروض التي حصلت عليها الشركة خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى تقييم الأصول والالتزامات المالية.

 

ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تمثل تمهيدًا لطرح جزء من الشركة للقطاع الخاص ضمن برنامج الطروحات الحكومية، خاصة في ظل سعي الدولة لتقليص دورها في بعض القطاعات الاقتصادية.

 

الأزمة المالية للشركة ليست جديدة. فقد واجهت مصر للطيران خسائر كبيرة خلال السنوات الماضية نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والوقود وتراجع حركة السفر خلال جائحة كورونا.

 

لكن مراقبين يشيرون إلى أن ضعف الإفصاح المالي وغياب الشفافية حول حجم الديون الفعلية للشركة زاد من الضغوط الدولية المطالبة بإجراء مراجعة مالية شاملة.

 

تراجع التصنيف العالمي وأزمة تشغيل داخل الناقل الوطني

 

بالتوازي مع الضغوط المالية، تواجه مصر للطيران تراجعًا واضحًا في مكانتها الدولية. فقد خرجت الشركة من قائمة أفضل 100 شركة طيران عالميًا في ديسمبر 2023، وفق تصنيفات شركات تقييم الطيران.

 

كما تصنف الشركة حاليًا ضمن فئة 3 نجوم فقط في تقييمات الجودة العالمية، وهو تصنيف يقل عن العديد من شركات الطيران المنافسة في المنطقة.

 

هذا التراجع يأتي رغم تاريخ الشركة الممتد لأكثر من 90 عامًا باعتبارها واحدة من أقدم شركات الطيران في الشرق الأوسط وأفريقيا.

 

التحديات التشغيلية ظهرت أيضًا في ملف تدريب الطيارين. ففي نوفمبر 2023 لجأت الإدارة إلى التعاقد مع أكاديمية تدريب خارجية لتأهيل الطيارين المصريين، بعد أن فقد المركز التدريبي التابع للشركة جزءًا من قدرته التنافسية في المنطقة.

 

كما اضطرت الشركة إلى تعليق عدد من رحلاتها إلى بعض الوجهات العربية والخليجية، والاكتفاء بتسيير رحلات إضافية بأسعار مرتفعة لتغطية الطلب المتزايد.

 

الأزمة المالية انعكست كذلك على أسطول الطائرات. فقد اضطرت الشركة خلال السنوات الأخيرة إلى بيع عدد من الطائرات الحديثة في ظل أزمة سيولة حادة، بحسب تقارير متخصصة في قطاع الطيران.

 

وتزامن ذلك مع تحقيقات في قضايا فساد مالي وإهدار للمال العام داخل الشركة، وهو ما ساهم في اهتزاز الثقة في الإدارة التشغيلية للمؤسسة.

 

المقارنة مع شركات أفريقية أخرى تكشف حجم الفجوة. فالخطوط الجوية الإثيوبية تحتل المركز 34 عالميًا وتعد أكبر شركة طيران في القارة، بينما تتراجع مصر للطيران تدريجيًا في التصنيفات الدولية.

 

في ظل هذه التطورات، يتزايد الجدل حول دور شركة مصر للطيران خلال الأزمات. فبينما يفترض أن تلعب الشركة دورًا وطنيًا في إعادة العالقين من مناطق التوتر، يرى منتقدون أن السياسات السعرية الحالية تحولت إلى وسيلة لتعويض الخسائر المالية.

 

ويشير مراقبون إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها الشركة اتهامات مماثلة، فقد تكررت الانتقادات خلال أزمة جائحة كورونا عندما فرضت رسوم مرتفعة على رحلات عودة المصريين من الخارج.

 

ومع استمرار الضغوط المالية والتحديات التشغيلية، يبقى السؤال المطروح داخل قطاع الطيران: هل تتحول مصر للطيران تدريجيًا من ناقل وطني يخدم المواطنين إلى شركة تجارية تبحث عن تعويض خسائرها بأي ثمن.