أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك وتحالف أوبك+ اعتبارًا من 1 مايو 2026، وقالت وكالة الأنباء الإماراتية إن القرار يرتبط برؤية اقتصادية طويلة الأمد، ففتح القرار بابًا أمريكيًا واسعًا للضغط على أسعار النفط.

 

ورحب ترامب بالخطوة داخل البيت الأبيض لأنها تخدم هدفه المباشر في خفض أسعار الوقود، بينما كشف القرار أن الخلاف الخليجي النفطي منح واشنطن فرصة جديدة لإضعاف قدرة أوبك على التحكم بالسوق.

 

ترامب يحول خروج أبوظبي إلى ورقة لخفض الوقود

 

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 أبريل 2026 إن خروج الإمارات من أوبك أمر جيد، واعتبر أن القرار يمكن أن يساعد في خفض أسعار البنزين والنفط وكل شيء، وهو تعليق وضع البيت الأبيض في موقع المستفيد السياسي الأول من ضربة أصابت المنظمة النفطية.

 

وبذلك، لم يتعامل ترامب مع القرار كخلاف فني داخل منظمة نفطية، بل قدمه باعتباره خدمة مباشرة للمستهلك الأمريكي، لأن أي تراجع في أسعار الوقود يمنح الإدارة الأمريكية مادة انتخابية واقتصادية جاهزة أمام الرأي العام الذي يقيس أداء البيت الأبيض من محطة البنزين.

 

ثم جاء إعلان وكالة الأنباء الإماراتية ليعطي الخطوة غطاءً سياديًا، إذ قالت أبوظبي إن الخروج من أوبك وأوبك+ يبدأ في 1 مايو 2026، وإن القرار يعكس رؤية استراتيجية واقتصادية طويلة الأمد وتطور قطاع الطاقة وتسريع الاستثمار في الإنتاج المحلي.

 

ومن هذه النقطة، استفاد ترامب من خطابين في وقت واحد، لأن الخطاب الإماراتي تحدث عن المصلحة الوطنية والقدرة الإنتاجية، بينما ترجم ترامب القرار إلى رسالة أمريكية مبسطة تقول إن خروج منتج كبير من قيود الحصص يمكن أن يضغط على الأسعار ويضعف المنتجين المتحكمين بالسوق.

 

في المقابل، ذكرت رويترز أن الإمارات وجهت ضربة إلى أوبك في لحظة أزمة طاقة غير مسبوقة مرتبطة بحرب إيران، وأن الخروج كشف خلافات بين دول الخليج، وهو ما جعل واشنطن تتلقى هدية سياسية من داخل البيت النفطي نفسه لا من مواجهة مباشرة معه.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو استفادة ترامب مرتبطة بثلاث نتائج واضحة، أولها إضعاف سردية أوبك ككتلة قادرة على ضبط الإنتاج، وثانيها إعطاء السوق إشارة بزيادة محتملة في المعروض، وثالثها وضع السعودية وروسيا أمام ضغط جديد من حليف خليجي وثيق بواشنطن.

 

أوبك تخسر منتجًا كبيرًا وواشنطن تكسب ضغطًا على الأسعار

 

أوضح بنك غولدمان ساكس أن خروج الإمارات يرفع مخاطر زيادة المعروض النفطي على المدى المتوسط أكثر من المدى القصير، لأن أبوظبي قد تحصل على مساحة أوسع لرفع الإنتاج عندما تعود مسارات التصدير في الخليج إلى العمل الكامل.

 

وبحسب تقديرات البنك، يمكن أن يتعافى إنتاج الإمارات إلى 3.8 مليون برميل يوميًا بحلول أكتوبر 2026 مقارنة بنحو 3.6 مليون برميل يوميًا قبل الحرب، كما قدر البنك الطاقة الإنتاجية المحتملة للإمارات بأكثر قليلًا من 4.5 مليون برميل يوميًا في فبراير 2026.

 

بعد ذلك، أشار غولدمان ساكس إلى أن شركة بترول أبوظبي الوطنية تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية إلى 5 مليون برميل يوميًا بحلول 2027، وهو رقم يشرح لماذا رأت واشنطن في القرار الإماراتي فرصة لضخ مزيد من النفط خارج منظومة الحصص التي تزعج ترامب منذ سنوات.

 

كما قالت وكالة أسوشيتد برس إن خروج الإمارات يسحب من أوبك ثالث أكبر منتج داخل المنظمة ويضعف نفوذها على الإمدادات والأسعار العالمية، وهذه النقطة تخدم واشنطن لأنها تقلص قدرة المنظمة على الدفاع عن أسعار مرتفعة بصورة جماعية.

 

في السياق نفسه، قالت رويترز إن خروج الإمارات يضعف سيطرة المجموعة المنتجة على الإمدادات العالمية، وقد يمنح أبوظبي لاحقًا مساحة أكبر لرفع الإنتاج بعد إعادة فتح طرق التصدير الخليجية، وهو ما يلتقي مباشرة مع رغبة ترامب في خفض أسعار الطاقة.

 

ومن زاوية السوق، لم يكن المكسب الأمريكي مضمونًا فورًا بسبب اضطراب مضيق هرمز وقيود التصدير، لكن البيت الأبيض يراهن على الأثر المتوسط، لأن الأسواق تسعر التوقعات لا الوقائع وحدها، وخروج الإمارات يقدم توقعًا مهمًا بزيادة المعروض لاحقًا.

 

ولذلك، يصبح القرار الإماراتي ضربة مزدوجة لأوبك، لأنه لا يخفض الأسعار وحده في اليوم الأول، لكنه يكسر قاعدة الالتزام السياسي بالحصص، ويفتح بابًا أمام منتجين آخرين للتساؤل عن جدوى البقاء داخل منظومة تضبط الإنتاج لمصلحة قيادة سعودية روسية.

 

الشرخ الخليجي يمنح أمريكا نفوذًا أوسع على الطاقة

 

قال فواز جرجس من كلية لندن للاقتصاد إن شيئًا خطيرًا يحدث في العلاقة السعودية الإماراتية، واعتبر أن ما يجري يمثل نوعًا من الانفصال بين أقوى زعيمين في الخليج، وهو توصيف يشرح لماذا بدت واشنطن مستفيدة من تفكك الانضباط النفطي الخليجي.

 

وبحسب رويترز، قال محللون وخبراء إقليميون إن خطوة الإمارات أكبر من نزاع حول حصص الإنتاج، لأنها تعكس شرخًا أعمق في العلاقة مع السعودية، حيث تعطي أبوظبي الأولوية للاستقلالية وتستخدم النفط أداة لإظهار رفضها للانصياع للرياض.

 

ثم أوضح المحلل الإماراتي عبد الخالق عبد الله أن أوبك اليوم لم تعد تشبه المنظمة التي انضمت إليها الإمارات قبل 6 عقود، وقال إن السعودية وروسيا تمليان القرارات وتتلاعبان بها لخدمة مصالحهما، وهو موقف يخدم الخطاب الأمريكي المعادي لأوبك.

 

وبالتوازي، قالت ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، إن أنظمة الحصص الجامدة أصبحت غير منسجمة مع واقع منطقة تواجه عدم استقرار ومخاطر إمداد وتهديدات مستمرة لتدفقات الطاقة، وأضافت أن الإمارات ترسل رسالة بأنها لن ترهن إنتاجها للقرارات السعودية.

 

ومن هنا، لا تظهر أمريكا كمراقب خارجي فقط، لأن رويترز نقلت عن آرون ديفيد ميلر، وهو مفاوض أمريكي سابق، أن أبوظبي خلصت إلى أن أمنها يستند إلى لاعبين وقفا معها خلال أزمة حاسمة هما الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

وبذلك، يجمع ترامب بين مكسبين، فالمكسب الأول اقتصادي يرتبط بخفض أسعار النفط والوقود، والمكسب الثاني استراتيجي يرتبط بدفع الإمارات بعيدًا عن منظومة نفطية تقودها السعودية وروسيا، وقريبًا من محور أمني واقتصادي تديره واشنطن وتدعمه إسرائيل.

 

غير أن هذه الاستفادة الأمريكية لا تعني استقرارًا عالميًا مضمونًا، لأن تفكيك الانضباط داخل أوبك قد يدفع السعودية إلى الدفاع عن حصتها أو أسعارها، وقد يفتح باب حرب أسعار، لكن واشنطن تبقى الطرف الأكثر قدرة على تحويل انخفاض النفط إلى مكسب داخلي.

 

وختاما فإن منح خروج الإمارات من أوبك ترامب ما كان يريده من دون أن يفرضه بقرار أمريكي، فقد حصل على ضربة سياسية لمنظمة طالما هاجمها، وإشارة سوقية قد تخفض الوقود، وشرخ خليجي يقلص قدرة السعودية على قيادة سوق النفط كما كانت تفعل سابقًا.