أقر مجلس الوزراء برئاسة مصطفى مدبولي ضوابط جديدة لإضاءة الإعلانات على الطرق العامة في 30 أبريل، فحظر تشغيلها نهارا من 7 صباحا حتى 5 مساء، وقيّد استخدامها ليلا لترشيد الكهرباء.

 

وكشف القرار الجديد استمرار إدارة الحكومة لأزمة الطاقة بقرارات متقطعة، بعد تراجعها قبل أيام عن غلق المحلات مبكرا، بما حمّل التجار والمواطنين كلفة ارتباك رسمي لا يعالج جذور الأزمة.

 

قرار جديد بعد تراجع سريع عن غلق المحلات

 

أعلن الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات على الطرق العامة، بموافقة رئيس الوزراء، ضوابط تشغيل الإضاءة الإعلانية على الطرق العامة، وألزم الجهات الإدارية بتطبيقها عند إصدار أو تجديد التراخيص، مع متابعة التنفيذ واتخاذ الإجراءات القانونية حال المخالفة.

 

وبحسب الضوابط، حظرت الحكومة تشغيل وحدات الإضاءة الإعلانية خلال ساعات النهار من 7 صباحا حتى 5 مساء، وشمل الحظر الإضاءة الخارجية والخلفية والشاشات الرقمية وواجهات المحال، مع استثناء الأنظمة الذكية المزودة بحساسات تتحكم في السطوع حسب البيئة المحيطة.

 

ثم منعت الضوابط تشغيل الإضاءة الإعلانية على الطرق الداخلية من 12 منتصف الليل حتى 5 صباحا، وامتد المنع إلى الطرق الرئيسية في الفترة نفسها، مع استثناء مناطق سياحية أو مواقع يصدر بشأنها قرار خاص، بما يفتح بابا واسعا لتقدير إداري غير واضح.

 

وبعد تحديد المواعيد، طالبت الحكومة باستخدام وحدات إضاءة عالية الكفاءة من نوع الصمامات الثنائية الباعثة للضوء، وأنظمة تحكم ذكية، ومعدات تبريد موفرة للطاقة داخل اللوحات، وكأن المشكلة في لمبة الإعلان لا في غياب خطة طاقة معلنة بالأرقام والتكاليف.

 

وقبل هذا القرار بأيام، أعلنت الحكومة إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في 11 مساء، والعودة إلى المواعيد الطبيعية، بعد أن كانت قد فرضت الغلق المبكر ضمن إجراءات ترشيد بدأت في 28 مارس.

 

لذلك ظهر قرار إضاءة الإعلانات كحلقة جديدة في سلسلة قرارات قصيرة العمر، لأن الحكومة بدأت بتقييد المحال والمطاعم، ثم تراجعت تحت ضغط النشاط التجاري، ثم انتقلت إلى الإعلانات المضيئة دون إعلان حصيلة القرار السابق أو حجم الوفر الذي حققه.

 

ترشيد بلا أرقام وتكلفة على السوق

 

في مارس، روجت الحكومة لقرار غلق المحلات والمولات والمطاعم في 9 مساء خلال أيام الأسبوع و10 مساء يومي الخميس والجمعة، باعتباره جزءا من خطة أوسع لترشيد الكهرباء ومواجهة ضغط الطاقة بسبب التوترات الإقليمية.

 

وبعد أسابيع قليلة، ألغت اللجنة المركزية لإدارة الأزمات القيود الزمنية، وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء إن القرار يستهدف تيسير حركة المواطنين ودعم النشاط التجاري، وهو اعتراف عملي بأن القرار السابق ضرب مصالح السوق قبل أن تثبت الحكومة جدواه بالأرقام.

 

في المقابل، قدمت وسائل إعلام محلية الإلغاء باعتباره عودة للحياة الطبيعية في الشوارع المصرية، وذكرت أن القرار جاء وسط ترحيب من أصحاب الأعمال والمواطنين، ما كشف أن الحكومة فرضت قيودا واسعة ثم اضطرت للتراجع عندما ظهر أثرها على الحركة التجارية.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح قرار الإعلانات جزءا من سياسة تعاقب القيود على أطراف السوق الأضعف، فمرة يدفع صاحب محل ثمن الغلق المبكر، ومرة يدفع صاحب إعلان ثمن تركيب أنظمة جديدة، بينما لا تكشف الحكومة حجم العجز أو تكلفة بدائل الطاقة بشفافية.

 

وفي هذا السياق، علّق الخبير الاقتصادي هاني توفيق على قرارات الإغلاق المبكر في مارس باعتبارها قرارا يتناسب مع ضرورة التقشف، لكنه أضاف عبارة كاشفة حين قال عقبال ترشيد باقي بنود الإنفاق الحكومي، بما نقل السؤال من المواطنين إلى الدولة نفسها.

 

لاحقا، انتقد توفيق بعض القرارات الحكومية وقال إن المشهد يمثل بداية زلزال لم تتكشف أبعاده الكاملة بعد، وفق ما نقلت المصري اليوم، وهو توصيف يضع قرار الغلق ثم التراجع عنه داخل أزمة أوسع في إدارة الاقتصاد لا داخل ملف كهرباء فقط.

 

ومن زاوية اقتصادية، يطرح الكاتب وائل جمال في كتاباته عن السياسات العامة سؤال الكلفة الاجتماعية للقرارات الحكومية، ولذلك تبدو قرارات الترشيد الحالية نموذجا واضحا لسياسة تبدأ من تحميل السوق الصغير والمستهلك تكاليف الأزمة قبل مراجعة إنفاق الدولة ومشروعاتها.

 

أزمة طاقة تديرها الحكومة بردود فعل

 

بالتزامن مع إلغاء الغلق المبكر، وجه مصطفى مدبولي بسرعة إطلاق مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى استخدام الطاقة الشمسية، في إطار ترشيد الطاقة وتقليل الاعتماد على المنتجات البترولية، لكن التوجيه جاء بعد إرباك المحال لا قبل الأزمة.

 

كما أن الإعلان عن الطاقة الشمسية بعد قرارات الغلق يكشف قلب الأولويات، لأن الحكومة كان يمكن أن تبدأ بخطة تمويل واضحة للطاقة المتجددة في المصانع والمنازل، ثم تلجأ إلى القيود المؤقتة عند الضرورة، لكنها اختارت الطريق الأسرع والأكثر ضررا على النشاط اليومي.

 

في هذا الإطار، تشدد الباحثة الاقتصادية سلمى حسين في كتاباتها على ضرورة ربط السياسات العامة بالعدالة والشفافية الضريبية والإنفاقية، ويظهر هذا المعنى في ملف الكهرباء حين تطلب الحكومة من المواطنين والتجار التقشف بينما لا تقدم كشف حساب علنيا عن إنفاقها وبدائلها.

 

كذلك تكشف صياغة قرار الإعلانات مشكلة تنفيذية متوقعة، لأن الحكومة تركت استثناءات للمناطق السياحية والقرارات الخاصة، وفرضت على الجهات الإدارية متابعة السطوع والتشغيل وأنظمة التحكم، بينما تعاني المحليات أصلا من ضعف الرقابة وتعدد الرسوم والتراخيص.

 

وبسبب ذلك، يخشى أصحاب الأعمال من أن تتحول الضوابط إلى باب جديد للغرامات والمساومات الإدارية، خاصة أن القرار يربط تجديد التراخيص بالالتزام الفني، من غير أن تعلن الحكومة فترة انتقالية كافية أو تكلفة تقديرية لتركيب الحساسات ووحدات الإضاءة الجديدة.

 

في المقابل، لا يقدم القرار إجابة عن حجم استهلاك الإعلانات مقارنة بالمباني الحكومية والمشروعات الكبرى والإنارة العامة، ولا يشرح لماذا بدأت الحكومة بالمحال ثم الإعلانات بدل أن تنشر خريطة واضحة لأكبر مصادر الاستهلاك وتبدأ منها وفق أرقام معلنة.

 

وهنا يبرز رأي الخبير الاقتصادي مدحت نافع، الذي دأب على انتقاد غياب الرؤية المتكاملة في إدارة الأزمات الاقتصادية، إذ يضع الملف الحالي الحكومة أمام سؤال بسيط عن ترتيب الأولويات بين ترشيد حقيقي للطاقة وقرارات متفرقة تعالج العنوان وتترك السبب.

 

في النهاية، لا يرفض أحد ترشيد الكهرباء ولا تحسين كفاءة الإعلانات، لكن حكومة مدبولي تفقد الثقة عندما تصدر قرارا ثم تلغيه خلال أسابيع، ثم تستبدله بقيود جديدة من دون كشف حساب، لتبدو أزمة الطاقة نتيجة إدارة مرتجلة بقدر ما هي نتيجة نقص موارد.