وصف العقيد احتياط في الجيش الاسرائيلي، أمير نوي، مصر بأنها ربما تكون أكبر ضحايا حصار الحوثيين لطرق التجارة العالمية، مع ذلك اعتبرها الدولة الأكثر حذرًا في نهجها تجاه الراعي الإيراني للميليشيا اليمنية.

 

ونتيجةً لهذا الواقع، تساءل نوي في مقال نشرته صحيفة "معاريف" حول قوة مصر: هل مصر قوة مسؤولة تسعى لمنع الصراع، أم أنها دولة تفضل الصراع مع إسرائيل على حماية دول الخليج؟

 

واعتبر أن هذا التناقض لا يقتصر على كونه مسألة حذر دبلوماسي فحسب، بل يكشف عن تحول عميق في مكانة مصر الإقليمية، وعن محدودية سلطة النظام في مصر، وهي محدودية لا تنبع فقط من الساحة الإقليمية، بل أيضًا من الواقع الداخلي المعقد للبلاد.

 

الأضرار المباشرة التي لحقت بمصر


وأوضح أن حصار الحوثيين لممرات الشحن في البحر الأحمر يؤثر بشكل مباشر على أحد أركان الاقتصاد المصري: قناة السويس.

 

ومنذ بدء الهجمات على السفن التجارية والتهديد الذي يواجه الملاحة الدولية، اختارت العديد من شركات الشحن تجنب البحر الأحمر واتخاذ مسار بديل حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح. ونتج عن ذلك انخفاض حاد في حجم حركة الملاحة في القناة، وبالتالي في إيراداتها.

 

وبالنسبة لمصر، وصف الأمر بأنه يشكل ضربة قاسية، "فقناة السويس تُشكّل أحد أهم مصادر العملات الأجنبية للبلاد، إلى جانب السياحة وتحويلات العاملين المصريين في الخارج". 

 

وأضاف: "يأتي هذا الضرر الذي لحق بإيرادات القناة في وقت بالغ الحساسية، إذ يُعاني الاقتصاد المصري من ديون خارجية مرتفعة، وتضخم حاد، وتآكل مستمر لقيمة العملة المحلية. بعبارة أخرى، لا يُمثّل حصار الحوثيين أزمة إقليمية فحسب بالنسبة لمصر، بل يُشكّل تهديدًا حقيقيًا لاستقرارها الاقتصادي. ومع ذلك، ورغم هذه الضربة المباشرة، لا تُوجّه القاهرة أصابع الاتهام إلى طهران".

 

صمت مطبق تجاه إيران


واعتبر العقيد الاحتياطي بالجيش الإسرائيلي أن العلاقة بين الحوثيين وإيران ليست سرًا. فعلى مدى سنوات، أشارت مصادر استخباراتية ومراكز أبحاث إلى تقديم إيران مساعدات عسكرية وتكنولوجية وفكرية للميليشيا اليمنية. 

 

وعلى الرغم من ذلك، قال إنه لا تزال ردود الفعل الرسمية المصرية حذرة للغاية. فبدلًا من توجيه اللوم إلى إيران، تكتفي القاهرة بدعوات عامة للحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر وخفض حدة التوترات الإقليمية. بل وتُسمع أحيانًا دعوات للحوار بين الأطراف المعنية، مما يخلق واقعًا يبدو عبثيًا: فالدولة التي ربما تكون الأكثر تضررًا من حصار الحوثيين تمتنع عن الإفصاح علنًا عن الجهة التي تقف وراءه.

 

الواقع الاقتصادي والساحة الداخلية في مصر


وذكر نوي أن تفسير سياسة مصر الحذرة لا يقتصر على الساحة الإقليمية فحسب، بل يرتبط أيضًا بالواقع الداخلي الحساس للبلاد. فمصر في عهد عبدالفتاح السيسي تخوض صراعًا مستمرًا من أجل استقرارها السياسي. ومنذ وصول السيسي إلى السلطة بعد الإطاحة بحكومة "الإخوان المسلمين" عام 2013، ينظر النظام المصري إلى الجماعة كتهديد وجودي، ورغم القمع الواسع النطاق الذي تمارسه، تدرك القيادة المصرية أن الجماعة لم تختفِ، وأنها تنتظر فرصة سياسية أو اقتصادية تمكنها من تقويض النظام. أي أزمة اقتصادية عميقة قد تصبح مثل هذه الفرصة.

 

وحذر المقال من أن انخفاض عائدات قناة السويس، إلى جانب التضخم المرتفع والضغوط الاجتماعية يُؤدي إلى خلق بيئة سياسية قابلة للانفجار. ويخشى النظام المصري من أن يُتيح المزيد من التدهور في الوضع الاقتصادي للمعارضة، ولا سيما الشبكات التابعة لجماعة "الإخوان المسلمين"، فرصة لإعادة إشعال فتيل التوترات الداخلية.

 

وفي ظل هذه الظروف، قال نوي إن القاهرة تحرص بشدة على عدم الانجرار إلى صراع إقليمي واسع النطاق. فحرب في البحر الأحمر أو مواجهة مباشرة مع إيران ووكلائها قد تؤدي إلى تصعيد يضر بالاقتصاد المصري أكثر، ويقوض الاستقرار الداخلي.

 

إضافةً إلى ذلك، ثمة حساسية عامة، ففي بعض الخطابات العامة في العالم العربي، يُنظر إلى الحوثيين كجزء من معسكر يقف ضد إسرائيل والغرب. وبالنسبة لنظام يدرك جيدًا قوة المشاعر السياسية في الشارع العربي، فإن المواجهة العلنية مع الحوثيين أو إيران قد تُثير انتقادات داخلية وتُوفر ذخيرة سياسية للمعارضة الإسلامية.

 

لذلك، من وجهة نظر النظام في القاهرة، فإن الحذر تجاه إيران والحوثيين هو أيضاً جزء من إدارة المخاطر الداخلية.

 

تغيير في الوضع الإقليمي


كما اعتبر الكانب أن سلوك مصر يعكس تغيرًا أعمق في مكانة البلاد في العالم العربي. في عهد جمال عبد الناصر، كانت مصر تنظر إلى نفسها كقائدة للعالم العربي وقوة دافعة للصراع الإقليمي. أما اليوم، فقد انتقل مركز القوة الاقتصادية والسياسية إلى حد كبير إلى دول الخليج. 

 

وقال: "لا تزال مصر تحتفظ بجيش كبير وفعّال، لكنها تعتمد بشكل كبير على المساعدات والاستثمارات من دول الخليج. هذا الاعتماد يحدّ من قدرتها على العمل كقوة إقليمية مستقلة، ويشجع على اتباع سياسة حذرة، هدفها الأساسي الحفاظ على استقرار النظام والاقتصاد".

 

المفارقة المصرية


ورأى نوي أن هذا يبرز التناقض: فمصر من أكبر ضحايا حصار الحوثيين، لكنها تتجنب المواجهة العلنية مع إيران، الكيان الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الداعم الرئيسي للميليشيات اليمنية. هذا الصمت ليس مجرد مسألة دبلوماسية، بل يعكس محدودية نفوذ مصر في الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، وهي دولة ذات ثقل عسكري وتاريخي هائل، لكنها تعاني أيضًا من نظام سياسي واقتصادي هشّ يفرض عليها الحذر في كل خطوة استراتيجية تقريبًا.

 

وطرح ما وصفه بأنه السؤال الأهم: كيف سيُفسَّر هذا في العالم العربي، هل ستنظر دول المنطقة إلى مصر كقوة مسؤولة تسعى لمنع التصعيد، أم كدولة فقدت رغبتها في حماية مصالحها الاقتصادية؟، موضحًا أنه مع اتساع نطاق الحملة الإقليمية، سيصبح من المستحيل إخفاء التناقض المصري، وفي مرحلة ما، ستُجبر القاهرة على الاختيار بين الدفاع عن النظام الإقليمي أو مجرد محاولة البقاء فيه.

 

https://www.maariv.co.il/news/opinions/article-1294094