كشف ملف الجامعات الأهلية في مصر عن أزمة حوكمة متصاعدة داخل منظومة التعليم العالي، بعدما تحولت هذه الجامعات – التي أُنشئت بمليارات الجنيهات – إلى ساحة لتبادل المناصب والنفوذ بين قيادات حالية وسابقة في الوزارة والجامعات الحكومية. تزامن ذلك مع تجميد مسابقات اختيار رؤساء عدد من الجامعات الأهلية رغم انتهاء إجراءات الترشح والمقابلات.
الأزمة فتحت أسئلة مباشرة حول استقلال هذه الجامعات، وحدود تدخل الجامعات الحكومية في إدارتها، وما إذا كان المشروع التعليمي الجديد يتحول تدريجياً إلى شبكة مصالح مغلقة.
تعديل اللوائح في اللحظة الأخيرة وتجميد مسابقات الرئاسة
بدأت الأزمة بعد إعلان مجلس الجامعات الأهلية في 28 يوليو 2025 فتح باب الترشح لرئاسة عدد من الجامعات الأهلية المنبثقة عن الجامعات الحكومية، بينها الزقازيق الأهلية والمنصورة الأهلية وشرق بورسعيد الأهلية وأسيوط الأهلية وجنوب الوادي الأهلية.
استقبلت طلبات الترشح خلال الفترة من 10 إلى 18 أغسطس 2025. بعد ذلك بدأت المقابلات الرسمية للمرشحين اعتباراً من 13 سبتمبر 2025، حيث عرض المتقدمون خططهم الأكاديمية والإدارية أمام لجان الاختيار.
لكن المشهد تغير فجأة. يقول الدكتور عادل النجدي عميد كلية التربية الأسبق إن مجلس جامعة أسيوط الحكومية أصدر قراراً بتعديل المادة 14 من لائحة الجامعة الأهلية التابعة لها. التعديل نقل سلطة اختيار رئيس الجامعة من اللجنة الوزارية إلى مجلس الأمناء.
النجدي يوضح أن هذا التعديل استند إلى موافقة مجلس الجامعات الأهلية رقم 16 المنعقد في 21 يوليو 2025. لكن القرار أثار تساؤلات حادة لأن باب الترشح فُتح بعد أسبوع واحد فقط من هذا التاريخ وفق اللائحة القديمة.
يضيف النجدي أن هذا التضارب الإداري يضع النظام التعليمي أمام أزمة قانونية واضحة. فمن غير المنطقي فتح باب الترشح وإجراء مقابلات ثم تغيير قواعد الاختيار لاحقاً.
كما يطرح سؤالاً آخر يتعلق بمصير المرشحين الذين تقدموا للمسابقة، وبينهم رؤساء جامعات سابقون وأساتذة كبار. هؤلاء خاضوا الإجراءات كاملة وفق قواعد معلنة، ثم وجدوا أن القواعد تغيرت بعد انتهاء المقابلات.
ويرى النجدي أن التدخل المباشر من مجلس جامعة حكومية لتعديل لائحة جامعة أهلية يضرب مبدأ الاستقلال الإداري الذي أُنشئت هذه الجامعات على أساسه.
الجامعات الأهلية بين الاستقلال المعلن وهيمنة الجامعات الأم
أُنشئت أول 4 جامعات أهلية في مصر عام 2020 وهي الجلالة وسلمان والمنصورة الجديدة والعلمين. تم تعيين رؤساء ونواب وعمداء لها لتصبح مؤسسات تعليمية متكاملة.
بعد ذلك توسعت الدولة في المشروع. بين 2022 و2025 جرى افتتاح 22 جامعة أهلية جديدة منبثقة عن الجامعات الحكومية. في معظم الحالات تولى رؤساء الجامعات الحكومية إدارة هذه الجامعات الجديدة بشكل مؤقت.
هذا الترتيب الإداري خلق واقعاً معقداً. رئيس الجامعة الحكومية أصبح في الوقت نفسه رئيس الجامعة الأهلية التابعة لها. وهو وضع يثير تساؤلات حول تضارب المصالح وتوزيع السلطات.
الدكتور عادل النجدي يرى أن هذا النموذج الإداري جعل الجامعات الأهلية خاضعة عملياً لنفوذ الجامعات الأم. ويضيف أن بعض القرارات الأخيرة تعكس محاولات للإبقاء على السيطرة الإدارية قبل إعادة تشكيل المنظومة تحت قيادة وزير التعليم العالي الجديد.
ويؤكد النجدي أن الجامعات الأهلية أُنشئت أصلاً لتكون أكثر مرونة واستقلالاً عن البيروقراطية التقليدية. لكن ما يحدث حالياً يعيد إنتاج نفس المشكلات القديمة داخل مؤسسات يفترض أنها مختلفة.
ويرى أن الإصلاح الحقيقي يتطلب حوكمة واضحة وثابتة. القواعد يجب أن تكون معلنة ومستقرة قبل أي مسابقة. كما يجب أن تبقى الجامعات الأهلية مستقلة عن قرارات الجامعات الحكومية.
تضارب المصالح و«الباب الدوار» بين الوزارة والجامعات الخاصة
الأزمة لا تتوقف عند حدود اللوائح الإدارية. فهناك ملف آخر يتعلق بما يسميه بعض الأكاديميين ظاهرة “الباب الدوار” داخل منظومة التعليم العالي.
الدكتور وائل كامل عضو هيئة التدريس يقول إن انتقال القيادات من مواقع صنع القرار في الوزارة أو المجلس الأعلى للجامعات إلى مناصب قيادية في الجامعات الخاصة والأهلية أصبح ظاهرة متكررة.
يوضح كامل أن مسؤولين شاركوا في وضع السياسات وتنظيم العلاقة بين الجامعات ينتقلون لاحقاً إلى رئاسة جامعات خاصة أو مجالس أمناء جامعات أهلية. وفي حالات أخرى ينتقل رؤساء جامعات حكومية مباشرة بعد انتهاء ولايتهم إلى مناصب قيادية في جامعات خاصة.
كامل يرى أن هذا النمط يخلق صورة واضحة لتضارب المصالح. فالشخص الذي يضع القواعد التنظيمية اليوم قد يكون هو المستفيد منها غداً.
ويشير أيضاً إلى الفارق الكبير في الرواتب بين الجامعات الحكومية والجامعات الأهلية أو الخاصة. عضو هيئة التدريس في بعض هذه الجامعات يحصل على عدة أضعاف راتبه في الجامعة الحكومية. أما المناصب القيادية مثل رؤساء الجامعات أو مجالس الأمناء فالعوائد المالية فيها أكبر بكثير.
هذا الواقع يجعل المجتمع يتساءل عن تأثير هذه الإغراءات المالية على قرارات التخطيط للتعليم العالي.
ويقترح كامل مجموعة إصلاحات مباشرة. أولها فرض فترة حظر وظيفي لا تقل عن 5 إلى 8 سنوات تمنع قيادات الوزارة أو المجلس الأعلى للجامعات من الانتقال مباشرة إلى الجامعات الخاصة أو الأهلية.
الاقتراح الثاني يتعلق بوضع معايير شفافة وقابلة للقياس لاختيار قيادات الجامعات. يجب أن تكون المنافسة علنية، وأن تُحدد قواعد واضحة لاختيار لجان التقييم نفسها.
أما الاقتراح الثالث فهو إنشاء آلية رقابة مستقلة تفصل بين الجهة التي تضع سياسات التعليم والجهات التي تدير المؤسسات التعليمية.
ويؤكد كامل أن التعليم العالي ملف يرتبط بالأمن القومي للدولة. وإذا لم تُحم قراراته من تضارب المصالح، فإن الجامعات الأهلية قد تتحول من مشروع تعليمي طموح إلى شبكة مصالح مغلقة تعيد إنتاج نفس الأزمات داخل منظومة التعليم.

