تشهد الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 تصعيداً جديداً في ولايات كردفان وسنار، مع استمرار استهداف مناطق مدنية ومنشآت حيوية، وتزايد أعداد الضحايا والنازحين، في وقت تتعثر فيه الجهود الدولية لفرض هدنة إنسانية أو احتواء الانهيار المتسارع للأوضاع الميدانية والإنسانية، بينما تمتد تداعيات الصراع إلى دول الجوار، وفي مقدمتها مصر وجنوب السودان.
مجزرة في سوق شمال كردفان
قُتل ما لا يقل عن 28 شخصاً وأصيب العشرات في قصف بطائرات مسيّرة استهدف سوقاً مكتظاً بالمدنيين في منطقة الصافية شمال شرق محلية سودري بولاية شمال كردفان، وفق ما أعلنته منظمة محامو الطوارئ.
وأشارت المنظمة إلى أن السوق كان يعج بالنساء والأطفال وكبار السن وقت الهجوم، ما ضاعف حجم الخسائر البشرية، مؤكدة أن الحصيلة أولية ومرشحة للارتفاع بسبب خطورة الإصابات.
ولم تُحدَّد الجهة المنفذة للهجوم، بينما تقع مدينة سودري في منطقة نفوذ قوات الدعم السريع، على بُعد نحو 230 كيلومتراً شمال غرب مدينة الأُبيّض عاصمة الولاية التي يسيطر عليها الجيش وتخضع لمحاولات حصار متكررة منذ أشهر.
ويأتي هذا القصف في سياق تصاعد المواجهات في إقليم كردفان، الذي بات يمثل جبهة قتال رئيسية في الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعد أن وسعت الأخيرة نطاق عملياتها من دارفور إلى ولايات الإقليم الثلاث.
استهداف منشآت طبية في سنار
وفي تطور آخر يعكس توسع رقعة المواجهات، أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة سبعة آخرين إثر قصف استهدف مستشفى في ولاية سنار.
ويعد استهداف المنشآت الصحية مؤشراً على تدهور خطير في طبيعة الصراع، إذ أصبحت المرافق الطبية والإنسانية ضمن دائرة النيران، ما يفاقم معاناة المدنيين ويزيد من انهيار الخدمات الأساسية في مناطق النزاع.
وتشير تقارير ميدانية إلى خروج أكثر من نصف المنشآت الصحية في مناطق القتال عن الخدمة، فيما تعمل بقية المرافق بقدرات محدودة للغاية بسبب نقص الكوادر والمستلزمات الطبية.
عمليات عسكرية متبادلة في كردفان
على الصعيد العسكري، أعلن الجيش السوداني تدمير منظومة دفاع جوي تابعة لقوات الدعم السريع في منطقة أبو زبد بولاية غرب كردفان، وتوسيع انتشاره لتأمين مدينة الدلنج في جنوب كردفان بعد فك الحصار عنها مطلع فبراير.
وأكد الجيش استمرار عملياته ضد قوات الدعم السريع، مشيراً إلى إلحاق خسائر بها في الأرواح والعتاد، ووقوع قتلى وجرحى في صفوف قواته خلال المواجهات.
في المقابل، اتهمت قوات الدعم السريع الجيش بقصف معبر أدري الحدودي مع تشاد بطائرات مسيّرة، وهو معبر يُستخدم لإدخال المساعدات الإنسانية، معتبرة أن استهدافه يهدف إلى تعطيل تدفق الإغاثة إلى المناطق المتضررة.
كردفان… عقدة الحرب وممرها الاستراتيجي
تمثل ولايات كردفان نقطة عبور استراتيجية بين دارفور غرباً، حيث تتمتع قوات الدعم السريع بنفوذ واسع، وبين الخرطوم ومدن شرق السودان الواقعة تحت سيطرة الجيش. كما تضم مناطق غنية بالنفط والأراضي الزراعية، ما يجعلها ساحة صراع رئيسية على الموارد وخطوط الإمداد.
ومنذ أكتوبر الماضي، تصاعدت المعارك في الإقليم بشكل غير مسبوق، ما أدى إلى نزوح أكثر من 115 ألف شخص، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة.
كما أسفرت هجمات بطائرات مسيّرة خلال الأسابيع الماضية عن سقوط قتلى وجرحى في مدن عدة وتدمير منشآت إغاثية، بينها مستودع تابع لبرنامج الأغذية العالمي.
أزمة إنسانية تتسع داخل السودان وخارجه
تسببت الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليون شخص، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً بحسب الأمم المتحدة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن عدد النازحين داخل السودان وخارجه قد يصل إلى نحو 13 مليون شخص، مع تدهور الأوضاع الغذائية والصحية وتعطل التعليم والخدمات الأساسية.
وفي جنوب السودان، حذّرت منظمة أوكسفام من أن تراجع الدعم الإنساني للاجئين الفارين من السودان يهدد حياة جيل كامل، في ظل تفشي الجوع والأمراض ونقص التمويل، مع وصول نحو 1.3 مليون لاجئ وعائد حتى الآن، بينهم مئات الآلاف من السودانيين.
تقارير عن توقيف وترحيل سودانيين في مصر
بالتوازي مع تصاعد النزاع، كشفت منظمة العفو الدولية عن تنفيذ السلطات في مصر حملات توقيف وترحيل طالت مواطنين سودانيين خلال الأشهر الأخيرة، رغم استمرار القتال في بلادهم.
وقالت المنظمة إن عمليات الاحتجاز شملت عشرات الأشخاص في محافظات عدة، بينهم مسجلون لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، مشيرة إلى أن بعض المرحّلين أُعيدوا إلى السودان رغم المخاطر الأمنية.
ووفق بيانات نقلتها المنظمة، أعيد مئات السودانيين من مصر خلال شهري ديسمبر 2025 ويناير 2026، بينما لا يزال مئات آخرون محتجزين.
ودعت العفو الدولية إلى وقف أي عمليات ترحيل قسري والإفراج عن المحتجزين بسبب مخالفات إقامة، مؤكدة أن استمرار الحرب في السودان يجعل الإعادة القسرية انتهاكاً لمبادئ الحماية الدولية.
كما أشارت تقارير إلى أن الخوف من التوقيف دفع بعض اللاجئين إلى البقاء داخل منازلهم، ما أثر على قدرتهم على العمل والتعليم والحصول على الخدمات الأساسية.
أبعاد سياسية وتدخلات إقليمية
تتزامن التطورات الميدانية مع استمرار الاتهامات المتبادلة بين طرفي النزاع، إلى جانب اتهامات بدعم دولة الإمارات لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أطراف إقليمية. ويعكس امتلاك أطراف الصراع طائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي تطوراً في طبيعة التسليح، ما يزيد من تعقيد المشهد العسكري.
سياسياً، تتواصل محاولات دولية لفرض هدنة إنسانية تسمح بإيصال المساعدات إلى المتضررين، إلا أن تجارب الهدن السابقة أظهرت هشاشتها وسرعة انهيارها تحت ضغط الحسابات العسكرية.

