يقدّم الشيخ يوسف القرضاوي رمضان باعتباره موسمًا للخير تتضاعف فيه الحسنات وتُرتجى فيه المغفرة، وتشتد فيه رغبة الناس في الطاعة. ويضع معيارًا واضحًا: المحروم حقًا من حُرم رحمة الله في هذا الشهر. والرحمة لا تُنال بالعادة، بل بالإقبال على الله، والاجتهاد في ذكره وشكره، وحسن عبادته، مع تحويل أيام الشهر إلى رصيد عمل لا إلى وقت ضائع.

 

أبواب مفتوحة.. وناس تُغلق على نفسها فرصة الشهر

 

يصف الشيخ يوسف القرضاوي رمضان بأنه شهر تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبواب النار وتُصفد فيه الشياطين، كما جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة. ويضيف روايات أخرى تذكر نداءً يرفع سقف التحفيز والردع في الوقت نفسه: “يا باغي الخير هلمّ، ويا باغي الشر أقصر”. الدلالة هنا عملية. مناخ الشهر يدفع نحو الطاعة ويكبح أسباب الانحراف، لكن النتيجة تتوقف على استجابة الإنسان.

 

وفي المقابل يلفت القرضاوي إلى سلوك يراه من صور الابتلاء في واقع بعض المسلمين. نهار طويل في نوم، وليل يستهلك في طعام. النتيجة هي ضياع فرصة التزوّد. لا يتحدث عن خطأ هامشي، بل عن تبديد لجوهر الشهر. لأن رمضان لا يُقاس بمرور الأيام، بل بما يُحصّله الإنسان فيها من رحمة ومغفرة وتغيير في السلوك.

 

ويضع القرضاوي أمام هذا الواقع تذكيرًا حاسمًا: الإقبال على الله هو باب الرحمة. الإقبال يعني ذكرًا وشكرًا وعبادة محكمة. كما يعني الانتباه إلى أن الشهر قد “يتسرب” يومًا بعد يوم دون أن ينال المسلم نصيبه من المغفرة والعتق. وهو يؤكد أن لله عتقاء من النار كل ليلة، بما يجعل الفرصة يومية ومتجددة، وليست مؤجلة إلى نهاية الشهر أو إلى مناسبة محددة.

 

برنامج يومي واضح: ذكر وقرآن وجماعة حتى لا يضيع رمضان

 

يركّز القرضاوي على ألوان طاعة محددة يراها جوهر الانضباط الرمضاني. الإكثار من ذكر الله تعالى، والاستغفار، والدعاء، وتلاوة القرآن الكريم. ثم الحرص على الصلاة في الجماعة. هذه الأعمال مطلوبة في كل وقت، لكنه يشدد على أنها في رمضان أشد استحبابًا، لأن الإهمال يجعل الأيام تمر بلا حصاد حقيقي.

 

ويعزز هذا المعنى بتخويف تربوي لا يترك مساحة للتهاون. يذكر ما رُوي عن كعب بن عجرة وغيره: أن جبريل عليه السلام دعا على من أدرك رمضان فلم يُغفر له، وأمّن رسول الله صلى الله عليه وسلم. المقصود ليس نشر القنوط، بل رفع درجة اليقظة. إدراك الشهر وحده لا يكفي. المطلوب جهد يليق بموسم تتضاعف فيه الأجور، ويُرجى فيه العفو.

 

ويستعيد القرضاوي المعنى الأول: رمضان ليس مناسبة للكسل ولا لمجرد تغيير جدول النوم. هو فرصة لاستعادة الصلة بالله. لذلك يربط بين الذكر والقرآن والجماعة وبين نتيجة واضحة: مغفرة وعتق وانضباط سلوكي. لا يقدّم ذلك كأمنية، بل كمسار له خطوات، يبدأ من اليوم الأول ولا ينتظر لحظة مثالية.

 

الجود والدعاء عند الإفطار: عبادة تتعدى صاحبها ووقت تُرجى فيه الإجابة

 

من أبرز ما يؤكد عليه القرضاوي في هذا السياق الجود وفعل الخير. وبخاصة بذل المعروف وإطعام الطعام. ويستند إلى حديث ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل كل ليلة، فيدارسه القرآن، فيكون أجود بالخير من الريح المرسلة. في هذا التصوير ربط مباشر بين القرآن والكرم، وبين العبادة الفردية والنفع المتعدي.

 

ومن هذا الأصل يفسر ما اعتاده المسلمون قديمًا من مد الموائد لتفطير الصائمين في رمضان، لما في ذلك من ثواب كبير. فهو يضع الإطعام في قلب العبادة، لا في هامشها. ويقدمه كسلوك عملي يترجم معنى الرحمة في المجتمع، ويجعل رمضان شهرًا يُرى أثره على الناس لا على صاحب العبادة فقط.

 

ثم يفتح القرضاوي ملف الدعاء بوصفه رفيق الصائم طوال النهار، لأن الصوم يضع صاحبه في حالة روحية تقربه من الله وتجعل دعاءه أرجى للقبول. ويخصص لحظة الإفطار بمكانة أعلى، لأن الدعاء فيها مطلوب بصورة خاصة. ويرجح ما ورد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الإفطار: “ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله”.

 

ويؤكد أن الصائم يدعو عند الإفطار بما أحب لدينه ودنياه وآخرته، لنفسه ولذويه وللمسلمين. ويستشهد بحديث عبد الله بن عمرو: “إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد”، ويذكر أنه كان يجمع أبناءه عند الإفطار ويدعو بالمغفرة. ويختم بما روي عن أبي هريرة: “ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم”، وفي رواية: “والصائم حتى يفطر”. هكذا يكتمل المشهد: رمضان عند القرضاوي عبادة منظمة، وخير متعدٍّ، ودعاء في أوقاته المرجوة، مع تحذير صريح من تحويل الشهر إلى نوم وطعام.