بكلمات حادة لا تعرف المجاملة، كتب الصحفي جمال سلطان على منصة «إكس» ينتقد ما وصفه بفساد كبير في المشروعات الاقتصادية التي تديرها القوات المسلحة أو بعض أفرعها وقادتها، محذرًا من آثار هذا المسار على مكانة الجيش وحقوق شعب فقير يعاني، في ظل اقتصاد عسكري «لا يخضع لأي رقابة مؤسسية». وفي تغريدته المطوّلة، التي يمكن الاطلاع عليها عبر الرابط التالي:
الأخبار التي تتحدث كل فترة عن فساد كبير في المشروعات الاقتصادية التي تديرها القوات المسلحة أو بعض أفرعها أو بعض قادتها مؤسفة جدا، وسبق أن حذرت منها، ومن آثارها على مكانة الجيش في المجتمع، وأيضا على حقوق شعب فقير يعاني، لأن اقتصاد الجيش لا يخضع لأي رقابة مؤسسية من أي جهة رقابية في… pic.twitter.com/jXNDS0yu0C
— جمال سلطان (@GamalSultan1) January 31, 2026
يرسم سلطان صورة قاتمة لاقتصاد ضخم «لا يجرؤ» أحد على مساءلة القائمين عليه، ولا يستطيع برلمان ولا جهاز رقابي ولا قضاء أن يسأل ببساطة: «من أين لك هذا؟».
تحذير سلطان لا يأتي من فراغ؛ فدراسات دولية وتقارير بحثية مستقلة وثّقت خلال السنوات الأخيرة تمدد النشاط الاقتصادي العسكري في مصر، وتحوّله إلى لاعب مهيمن في قطاعات مدنية عديدة، من البنية التحتية والإنشاءات وحتى الصناعات الغذائية والوقود، مع تمتع هذه الكيانات بإعفاءات واسعة وغياب شبه كامل للمساءلة البرلمانية والرقابية.
في هذا السياق، تبدو تغريدة سلطان أشبه ببلاغ علني للرأي العام: إن استمرار اقتصاد بلا حساب ولا شفافية، بحجم «التريليونات» كما يصفه، يعني أن البلاد تسير، بهدوء وبلا ضجيج، نحو «نفق خراب» جديد قد ينتهي بنكسة اقتصادية وسياسية كبرى.
اقتصاد عسكري خارج كل رقابة: من «رمادي» إلى «مقدّس»
جوهر ما يثيره جمال سلطان هو سؤال الرقابة: لماذا يبقى اقتصاد مؤسسة بحجم القوات المسلحة المصرية خارج أي مراجعة حقيقية من أجهزة يفترض أن دورها حماية المال العام؟
الرجل يعدد، بوضوح صادم، الجهات الغائبة: لا مجلس النواب المصري، لا رقابة من الجهاز المركزي للمحاسبات، لا دور فعلي للرقابة الإدارية، ولا للنيابة، ولا للقضاء، ولا حتى لوزراء من قلب السلطة التنفيذية يملكون الشجاعة لسؤال قائد عسكري عن ذمته المالية أو مشاريعه التجارية.
هذا الوصف يتقاطع بشكل لافت مع أدبيات بحثية قديمة وحديثة تحدثت عن «اقتصاد رمادي» للجيش في مصر، نشأ منذ عقود خارج المنظومة التقليدية للمالية العامة، ولا يخضع لرقابة حقيقية من البرلمان أو أجهزة التدقيق، مع تقديرات متباينة لنصيبه من الناتج المحلي الإجمالي، تتراوح بين 5% و15% أو أكثر.
تقارير أحدث تشير بوضوح إلى أن الشركات والمشروعات المملوكة للمؤسسة العسكرية لا تُدرج بياناتها المالية ضمن الموازنة العامة، ولا تخضع لرقابة تشريعية مباشرة، في الوقت الذي تتمتع فيه بامتيازات ضريبية وقانونية وتفضيل واضح في التعاقدات الحكومية واستخدام الأراضي العامة.
هذا الإعفاء العملي من المساءلة يجعل من اقتصاد الجيش «منطقة محرّمة» على الصحافة والمجتمع المدني والهيئات الرقابية، ويحوّل أي محاولة جادة للنبش في هذا الملف إلى مخاطرة شخصية قد تُواجَه باتهامات «إهانة القوات المسلحة» أو «الإضرار بالأمن القومي».
سلطان يلتقط هذه النقطة بذكاء: الضابط، في النهاية، «ليس ملاكًا»، بل مواطن كباقي البشر، يسري عليه ما يسري على غيره من احتمالات صلاح أو فساد.
لكن حين يُمنح حصانة مطلقة من المساءلة، ويتعامل مع «مال سايب» بلا رقيب ولا حسيب، تصبح بيئة الانحراف أقرب من بيئة الاستقامة، مهما كانت النوايا الفردية حسنة في بعض الحالات.
وهنا تكمن خطورة تحويل مؤسسة عسكرية يفترض أن دورها حماية الحدود إلى إمبراطورية اقتصادية لا تُسأل ولا تُحاسَب.
من مال الشعب إلى «مال قارون»: تريليونات خارج العدّاد العام
في تغريدته، يستخدم جمال سلطان تعبيرًا لافتًا: «المشروعات الاقتصادية التي حصل عليها الجيش أو قادة عسكريون لا تقدر بالمليارات بل بالتريليونات، مال قارون».
قد يبدو الوصف مبالغًا للوهلة الأولى، لكن نظرة إلى طبيعة القطاعات التي تمدد فيها نفوذ الشركات العسكرية خلال العقد الأخير تكشف أن حجم المصالح الفعلية ضخم للغاية؛ من الطرق والكباري إلى الإسكان، ومن محطات الوقود إلى سلاسل المتاجر والمنتجعات السياحية والصناعات الغذائية والخدمية.
الأخطر أن هذه الكتلة الاقتصادية تعمل في بيئة شديدة الانحياز؛ فشركات المؤسسة العسكرية تحصل عادة على أراضٍ مميزة وامتيازات في الضرائب والجمارك و«الأولوية» في التعاقدات، بينما يواجه المستثمر المدني، المصري والأجنبي، تعقيدات بيروقراطية، وتفاوتًا في الفرص، ومخاطر منافسة غير عادلة مع طرف يتمتع بغطاء سياسي وأمني كامل.
دراسات وصفت هذا النمط بأنه نوع من «رأسمالية المحاسيب» التي تعيد تشكيل السوق لخدمة شبكة ضيقة من المنتفعين على حساب المنافسة والشفافية، مع أثر سلبي مباشر على حقوق المستثمرين والبيئة الاستثمارية ككل.
حتى المؤسسات المالية الدولية لم تعد تخفي قلقها؛ تقارير صندوق النقد الدولي في مراجعاته الأخيرة لبرنامج القرض مع مصر انتقدت صراحة هيمنة الكيانات المملوكة للدولة، بما فيها الشركات العسكرية، على قطاعات واسعة من الاقتصاد، وطالبت بتقليص هذا الدور وتصحيح مسار مشاركة الجيش اقتصاديًا، مؤكدة أن هذا الوضع يكبح نمو القطاع الخاص وفرص العمل ويزيد مخاطر الديون والأزمات المالية.
في الداخل، تكشف تقارير دولية عن واقع موازٍ لا يقل خطورة: كيانات وصناديق اقتصادية كبيرة – بعضها أنشئ في عهد عبد الفتاح السيسي مثل صندوق تحيا مصر – تعمل هي الأخرى بدرجة منخفضة من الشفافية والرقابة، ما يفاقم الشعور بأن جزءًا معتبرًا من المال العام يتحرك خارج العدّاد الرسمي للموازنة، بعيدًا عن أعين المواطنين والبرلمان والجهاز الرقابي الأعلى.
في ظل هذه الصورة، يتحول تحذير جمال سلطان من مجرد «رأي صحفي» إلى سؤال وجودي: كيف يمكن لشعب يعاني من الغلاء وتراجع الخدمات وارتفاع الدين العام أن يتحمّل كلفة اقتصاد ضخم يعمل بمنطق «مال قارون»، بينما يُطلَب من الفقراء شد الأحزمة وقبول إجراءات قاسية بدعوى التقشف والإصلاح؟
خطبة برلمانية تطبّل.. وقلق يتراكم: هل يُترَك الجيش للاقتصاد أم يُترَك الاقتصاد للجيش؟
يتنبأ جمال سلطان، في نهاية تدوينته، بالسيناريو المعتاد: بعد كل موجة تسريبات أو أخبار عن فساد أو سوء إدارة في مشروعات اقتصادية تابعة للجيش أو قادة عسكريين، تُسارع المنظومة إلى إغلاق الملف بخطاب سياسي وإعلامي جاهز عن «كرامة قواتنا المسلحة» و«تضحيات قواتنا المسلحة»، فيسكت الجميع تحت وطأة الخوف والقوانين القمعية، ليواصل الفساد سيره في أمان «حتى نفيق في نهاية نفق الخراب على الكارثة أو النكسة الجديدة».
هذه الحلقة المغلقة تؤدي إلى نتائج متعددة الخطورة:
- تآكل ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، حين يرون أن هناك «مناطق محصّنة» فوق القانون والمحاسبة.
- خلط متعمد بين نقد الأداء الاقتصادي لمؤسسات عسكرية، وبين النيل من المؤسسة العسكرية كجهاز دفاع وطني، وهو خلط تستثمره السلطة سياسيًا لإسكات أي نقاش جاد.
- إضعاف الجيش نفسه على المدى البعيد، حين يصبح متورطًا في شبكة مصالح اقتصادية وتجارية تجعل أي مساءلة لفساد مشروع ما تُقرأ باعتبارها عداءً للمؤسسة كلها.
من هنا تأتي جملة سلطان الخاتمة: «لوجه الله والوطن، أبعدوا الجيش عن الاقتصاد، المؤسسة العسكرية لا بد أن تكون فوق شبهات الفساد».
هذه ليست دعوة لتجريد الجيش من موارده الدفاعية، بل دعوة لإعادته إلى موقعه الطبيعي: مؤسسة وطنية تحمي الحدود والسيادة، لا شريكًا اقتصاديًا يزاحم المواطنين في رزقهم، ويعمل خارج قواعد المنافسة والشفافية والعدالة الضريبية.
في المحصلة، ما كتبه جمال سلطان ليس مجرد «بوست غاضب» على منصة اجتماعية، بل تلخيص مكثّف لأزمة هيكلية تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد وبمصير ملايين المصريين.
تجاهل هذا التحذير، والاكتفاء بخطب تمجيدية وبلاغات تخويف، لن يوقف «نفق الخراب» الذي يتحدث عنه؛ بل ربما يسرّع وصول البلاد إلى لحظة الكارثة التي لا ينفع فيها لا تبرير ولا خطبة، ولا حتى رايات تُرفَع باسم الوطن فوق اقتصاد منهوب ومال عام تحوّل، حرفيًا، إلى «مال سايب».

