أعلنت الهيئة القومية للأنفاق بدء مرحلة الإيقاف التجريبي لترام الرمل بمحافظة الإسكندرية اعتبارًا من الأحد 1 فبراير 2026 وحتى 10 فبراير، في المسافة الممتدة من محطة فيكتوريا وحتى محطة مصطفى كامل، ضمن ما وصفته بخطة لاختبار كفاءة منظومة النقل البديلة أثناء أعمال التطوير الجارية لخط الترام التاريخي.

القرار، الذي يتضمن استبدال الترام مؤقتًا بـ153 وسيلة نقل ما بين ميني باص وميكروباص وأتوبيس على طول المسار، فتح نقاشًا واسعًا في الشارع السكندري حول ثمن هذا «التطوير» وحدوده: هل نربح خدمة أسرع وأكفأ، أم نخسر في المقابل واحدًا من أهم معالم المدينة الحضرية؟

 

وبينما تؤكد وزارة النقل أن الخطوة مؤقتة وضرورية لتحديث البنية التحتية وتحسين مستوى الخدمة، يرى كثير من المستخدمين والمتخصصين أن الإيقاف التجريبي يختبر أعصاب مئات الآلاف من الركاب قبل أن يختبر كفاءة المنظومة البديلة، ويعيد طرح سؤال أعمق: كيف يمكن تحديث وسائل النقل الجماعي دون شطب ذاكرة مدينة كاملة وإبدالها بفوضى الميكروباصات وازدحام عشوائي على حساب حل بيئي وتاريخي مثل الترام؟

 

ترام الرمل.. من مرفق تاريخي إلى «ملف تطوير»

 

منذ أكثر من مئة عام، ظل ترام الرمل خط الحياة اليومي للأحياء الشرقية في الإسكندرية؛ يدخله الطلاب صباحًا إلى الجامعة، ويعود عبره الموظفون عصرًا إلى أحيائهم، ويمتد صوته المعدني مع حركة المدينة كجزء أصيل من صورتها في وعي المصريين والعالم.

لم يكن الترام مجرد وسيلة انتقال رخيصة، بل مشهدًا حضريًا متكررًا ارتبط بالكورنيش والأحياء القديمة، وبصور المدينة على بطاقات البريد وأغلفة الكتب وأفلام السينما.

 

هذا المرفق، الذي يُعد من أقدم أنظمة الترام في إفريقيا والمنطقة، تعرّض لعقود من الإهمال ونقص الاستثمارات، ما أدى إلى تراجع سرعته وكفاءته، وارتفاع أعطال عرباته وتآكل مساره في نقاط عدة.

وزارة النقل تستند إلى هذه الحقائق لتبرير الإيقاف المؤقت، معتبرة أن بقاء الترام بوضعه الحالي «غير قابل للاستمرار» في ظل الكثافات المرورية المتزايدة وتعقّد الحركة في شوارع مثل فيكتوريا وسابا باشا ومحطة الرمل.

 

غير أن خبراء تخطيط النقل يرون أن المشكلة ليست في الترام كوسيلة، بل في كيفية إدارته.

د. محمد عبد الله، أستاذ تخطيط النقل الحضري، يشير إلى أن الترام «وسيلة نقل مستدامة وبيئية بامتياز»، كان يمكن أن تصبح عمودًا فقريًا لشبكة النقل العام في الإسكندرية لو حظي بصيانة جادة وتطوير حقيقي للبنية التحتية وإشارات التقاطع والمحطات، بدل تركه يتدهور ثم استخدام هذا التدهور ذريعة لتهميشه أو استبداله كليًا بحافلات أصغر وأكثر فوضى.

 

حافلات بديلة أم فوضى مرورية مؤجَّلة؟

 

بحسب بيان الهيئة القومية للأنفاق، جرى توفير 90 ميني باص و48 ميكروباصًا و15 أتوبيسًا للعمل على طول مسار الترام من فيكتوريا إلى محطة الرمل، بمعدل تقاطر يتراوح بين 3 و5 دقائق موزع على ثلاثة مسارات رئيسية.

على الورق تبدو الأرقام مطمئنة، لكن على الأرض يطرح الركاب والمتخصصون أسئلة عملية: هل تكفي هذه الوسائل لاستيعاب التدفقات اليومية خلال ساعة الذروة؟ هل ستلتزم بمسارات واضحة ومحطات محددة، أم ستنجرّ تدريجيًا إلى نمط التشغيل العشوائي المعروف عن الميكروباصات داخل المدن؟

 

م. أحمد شوقي، استشاري النقل الجماعي، يحذّر من أن «الاستبدال الكامل للترام بنقل جماعي صغير السعة، يعتمد على الميكروباصات بشكل أساسي، يمثل تراجعًا عن فكرة النقل الجماعي المنظم طويلة الأجل».

فالميكروباص، كما يوضح، قد يحل أزمةً مؤقتةً لكنه يخلق على المدى المتوسط مشكلات تلوث بصري وبيئي، وزحامًا إضافيًا على شبكة الشوارع المحدودة أصلًا، فضلًا عن صعوبة ضبط التعريفة والانضباط التشغيلي مقارنة بمرفق ثابت المسار مثل الترام.

 

إضافة إلى ذلك، يخشى مستخدمون كُثُر من ارتفاع تكلفة الانتقال إذا تحوّلت الرحلة الواحدة التي كان يغطيها الترام إلى أكثر من وسيلة، أو إذا استغل بعض السائقين فترة الإيقاف لفرض زيادات غير معلنة في الأجرة، خاصة في ظل ضعف الرقابة وارتفاع أسعار الوقود.

وإذا لم يُربط تشغيل الأسطول البديل بمنظومة واضحة للتذاكر والرقابة، فقد يجد المواطن نفسه في نهاية التجربة أمام خدمة أقل انتظامًا وتكلفة أعلى مما كانت عليه مع الترام.

 

تطوير لا يمحو هوية.. سؤال المدينة وحقوق الركاب

 

في خلفية الجدل التقني والمروري، يطفو سؤال الهوية الحضرية بقوة. د. ليلى فؤاد، خبيرة التخطيط العمراني، ترى أن «المدن لا تُدار بالأرقام فقط؛ فالترام عنصر من عناصر هوية الإسكندرية البصرية والثقافية، وإلغاؤه أو تقليصه بلا بديل حضري واضح يفقد المدينة أحد ملامحها الفريدة».

وتشدد على أن التطوير الحقيقي يجب أن يوازن بين رفع الكفاءة المرورية والحفاظ على الذاكرة المكانية والرموز التي تعرّف السكان بمدينتهم.

 

من هذا المنطلق، يحذر متخصصون من أن يتحوّل «التطوير» إلى مجرد استبدال مسار ترام قديم بطريق إسفلتي أوسع وحافلات أكثر، دون رؤية شاملة للنقل الجماعي المستدام، ودون مشاركة حقيقية للمجتمع المحلي في مناقشة البدائل.

فالإسكندرية، التي تخنقها اليوم كثافة السيارات والتعديات على الكورنيش والفراغات العامة، تحتاج إلى مزيد من المسارات الثابتة للنقل الجماعي لا إلى تعميق الاعتماد على النقل الفردي أو شبه الفردي.

 

الإيقاف التجريبي لترام الرمل حتى 10 فبراير قد يمرّ بلا أزمات حادة إذا التزمت منظومة النقل البديلة بخط سير منتظم وتغطية كافية للأحياء المتضررة.

لكنه، حتى لو مرّ فنيًا بسلاسة، يبقى اختبارًا سياسيًا وحضريًا لمستقبل المدينة: هل تختار الإسكندرية أن تُحدّث ترامها وتعيد دمجه في شبكة نقل عصرية تحترم البيئة وحقوق الركاب، أم تستسلم لمنطق الحلول السهلة السريعة التي تمحو ما تبقى من ملامحها المميزة تحت شعار «التطوير»؟