مروان الغفوري

كاتب وروائي يمني

 

دخل اليمن الحديث، يمن ما بعد السادس والعشرين من سبتمبر 1962، عقده السابع في الصراع المستدام. خلال كل تلك الفترة عرف فترات محدودة من الراحة والاستقرار، لم تكن كافية لا لفهم الماضي ولا للتفكير في الآتي.

 

مع انتهاء كل عشرية من الصراع كان عقد جديد يفتح ذراعيه مقدما شكلا آخر من الصراع والفوضى لا يختلف عن سابقه في الدرجة بل في النوع. هنا سنقدم عرضا بانوراميا مكثفا لسبعة عقود من اللااستقرار، هي ما أسس ومهد للصورة المتشظية والمشتتة التي نراها اليوم في اليمن.

 

ما كانت ثورة 26 سبتمبر لتتمكن، وحدها، من الإطاحة بالحكم اللاهوتي ذي الامتداد التاريخي الطويل، والجذور الشعبية والثقافية العميقة. وما كان بمستطاعها خوض نزال مباشر معه دون عون سخي وجدي، سياسيا وعسكريا، من قبل نظام الرئيس عبدالناصر في مصر.

 

يملك اليمن ميزة جيوستراتيجية عبقرية. كانت فكرة انتقاله، وهو بتلك الأهمية، إلى صف الجمهوريات أمرا غير مقبول في محيطه الإقليمي الذي لم تكن خارطته الجيوسياسية قد اكتملت بعد، فصار ساحة صراع بين الملكيات والجمهوريات.

 

أخذت حرب الملكية والجمهوريين ثمانية أعوام، تركت خلفها ندوبا كثيرة، وربما كانت أحد أسباب الانهيار المفاجئ للجيش المصري في يونيو 1967.

 

كانت القيادة المصرية قد شتت نفسها في ملفات عديدة خارج حدودها، ولم تعد النخبة قادرة على الإمساك بملف واحد حتى نهايته وكما ينبغي له.

 

شكل اليمن واحدا من الفخاخ الكبيرة التي استنزفت الجيش المصري في العتاد والأفراد. دعت الهزيمة مصر إلى سحب قواتها من اليمن ضمن عملية إزالة آثار العدوان.

 

استغل الملكيون الفراغ الناشئ فخاضوا مغامرة عسكرية أخيرة من أجل استعادة صنعاء. غير أن تلك المغامرة، 1968، باءت بالفشل، ويتذكر اليمنيون بالفخر أبطالهم الذين دافعوا عن العاصمة في تلك الأيام دون عون أحد.

 

الهزيمة الأخيرة على أسوار صنعاء أكدت للملكيين، ولحلفائهم، أن الجمهورية بات لها جمهور. لم تخسر الملكية، بين 1962- 1968، المعارك وحسب بل السمعة والجاذبية لصالح الشكل الجديد للحكم.

 

نضجت الشروط الخارجية المفضية إلى مصالحة داخلية، وهو ما حدث في جدة في مارس/آذار من العام 1970. رحب نظام عبدالناصر بالمصالحة، فهو أيضا كان يعاني من آثار النكسة، ويحاول تجاوز ماضيه وأزماته.

 

صيغت المصالحة اليمنية بتلك الطريقة التي تصفى من خلالها الصراعات على مر التاريخ: وضع العبء واللوم على فاعل واحد ودمج باقي الفاعلين في كيان جديد. إذ قبلت السعودية احتضان أسرة "حميد الدين" ومنعها من العودة إلى اليمن، وجرى تشكيل نظام حكم جديد يدمج الملكيين المهزومين في قوامه ومؤسساته: البرلمان، مجلس القيادة، الحكومة، وغيرها.

 

لم تكن حقبة السبعينيات أكثر هدوءا. تشكلت الجغرافيا السياسية على نحو جديد: شمال جمهوري- قبلي تدعمه السعودية، وجنوب ماركسي يدعمه الاتحاد السوفياتي.

 

شهد ذلك العقد حربين شمالية- جنوبية (1972- 1979)، واغتيال ثلاثة رؤساء بين عامي (1977- 1978). كان عقدا عامرا بالاضطرابات والخوف، بدا فيه الاستقرار حلما بعيد المنال.

 

مع نهاية العقد آلت الأمور شمالا إلى علي عبدالله صالح، وجنوبا إلى عبدالفتاح إسماعيل. انتهى عقد السبعينيات بصالح يخوض حربا وجودية في وسط اليمن ضد الثوار القوميين- الماركسيين، وبعبدالفتاح إسماعيل طريدا في موسكو.

 

خاض الماركسيون، حكام الجنوب، صراعا داخليا. في البدء تخلصوا سلميا من عبدالفتاح إسماعيل، الماركسي الراديكالي، الذي ترك البلاد خلف ظهره وهاجر إلى موسكو. ثم آلت الأمور إلى علي ناصر محمد، الماركسي الرعوي.

 

لم تحمل السنوات الأولى من عقد الثمانينيات بشرى بالاستقرار من أي نوع. جنوبا نأى الماركسيون الراديكاليون عن علي ناصر محمد، ما جعله أكثر تشبثا بعشائره من أبين وشبوة، مشكلا بديلا رعويا عن الحزب، وهم من سيلقبهم أنصار عبدالفتاح إسماعيل بـ"الزمرة".

 

زعيم "الزمرة" وجد نفسه مضطرا لفتح خطوط اتصال مع قائد الشمال المتورط في حرب مع خصم غير مرئي أطلق على نفسه اسم "الجبهة الوطنية". التقى الرجلان في صنعاء وفي عواصم أخرى، وعملا معا على حل العقدة الخطيرة التي يواجهها نظام صالح في الشمال: الخلاص من الثوار الماركسيين الذين بسطوا نفوذهم على جبال وقرى وسط اليمن. وبالطبع فقد دارت الأحاديث عن إمكانية دمج الشطرين في المستقبل.

 

كان الثوار الماركسيون يحصلون على دعم مباشر من رفاقهم في الجنوب ومن ليبيا القذافي. تمكن مقاتلو الجبهة، من خلال حرب البراغيث، من بث الرعب في قلب نظام الحكم في صنعاء. فقد اشتعلت تلك الحرب بعد وقت قصير من تولي صالح مقاليد الأمور سنة 1978.

 

ربما ما كان لصالح أن يثبت أمامها لولا الدعم المسلح الذي حصل عليه من الإسلاميين، وما كان بوسعه أن ينهيها لولا تقاربه مع علي ناصر محمد.

 

آنذاك شكل الإسلاميون منظومة عسكرية شعبية منحوها اسم الجبهة الإسلامية، بدعم مباشر من صالح والجيش، وخاضوا مواجهات دامية في أماكن لم يكن الجيش قادرا، ولا جاهزا، على الوصول إليها.

 

بعد ذلك نعم اليمن الشمالي بهدوء نسبي تمكن فيه صالح من تعزيز سلطته ومشروعيته. وفي الجنوب، في العام 1985، عاد عبدالفتاح إسماعيل من موسكو ليقود الجناح الراديكالي في الحزب الاشتراكي الحاكم، الذي سيطلق عليه خصومه لقب الطغمة. انتهى التوتر بين الزمرة والطغمة بحرب شوارع مدمرة في يناير من العام 1986.

 

أنهت تلك الحرب حياة عبدالفتاح إسماعيل والحياة السياسية لعلي ناصر محمد، وبدت عدن للناظر من الأعلى في هيئة مدينة للأشباح. صار عبدالفتاح إسماعيل رابع رئيس يمني قتيل خلال ثمانية أعوام.

 

تسلم علي سالم البيض- الذي رحل في الأيام الماضية- مقاليد الجنوب. استطاع البيض، بالهدوء والحياد والدماثة، تحقيق سلام سياسي في جنوب اليمن، وتُركت مسألة السلام الاجتماعي للأيام.

 

بقيت الندوب وذكريات الدم، وبقي صراع "الزمرة" و"الطغمة" نائما تحت السطح رغم كل محاولات إصلاح ذات البين. في الأعوام الأحدث، بعد 2017، أعاد المجلس الانتقالي الجنوبي إنتاج تلك الذاكرة، وكان ممكنا رؤية جنوبَين في الجنوب.

 

قادت ظروف الثمانينيات الصعبة إلى الوحدة اليمنية في مايو 1990. كان الجنوبيون أكثر حماسا للوحدة من الشماليين، ولذلك أسباب أهمها: تفكك الاتحاد السوفياتي، العزلة الإقليمية، انهيار الأيديولوجية الراديكالية، انهيار شامل للمنظومة الاقتصادية، وتجربة الصراعات الداخلية.

 

نظر صالح إلى أعين شركائه القادمين من الجنوب فرآهم أشد ضعفا مما كانوا عليه قبل عقد من الزمان، أدركهم الوهن وعزلتهم الظروف الداخلية والخارجية. بالنسبة لرئيس براغماتي انتهازي، مثل صالح، كانت لحظة مناسبة للقضاء عليهم بدلا من مشاركتهم.

 

كان عقد التسعينيات أكثر الفصول لهبا في اليمن الحديث. في الثاني والعشرين من يونيو 1990 أعلنت الوحدة اليمنية في ساعة نادرة من الفرح والكبرياء.

 

صارت الأرض أرضا واحدة وتجمع الشعب تحت راية واحدة. بعد شهرين فقط من تلك اللحظة اختار صالح الوقوف إلى جانب صدام حسين في معركته ضد الكويت والخليج. ذلك الموقف الانتهازي، بل الانتحاري، جعل اليمن المنهك يستقبل قرابة مليون عامل يمني جرى ترحيلهم من السعودية ودول خليجية أخرى. بعودتهم انهار واحد من أهم أعمدة الاقتصاد اليمني البدائي: اقتصاد الغربة.

 

بدلا من النظر في الأزمة التي أحدثها صالح، ذهب الرجل بعيدا جدا. بين العامين 1990 و1993 اغتيل ما يزيد عن 150 شخصا من كوادر الحزب الاشتراكي اليمني من الصفين: الثاني والثالث، وتعرضت قيادات رفيعة من الصف الأول لمحاولات اغتيال. بدا واضحا أن صالح قرر تطهير الفضاء السياسي من الشركاء.

 

آلت الأمور بين شريكي الوحدة إلى حرب مدمرة جديدة بين ربيع وصيف 1994، انتصر فيها صالح ولفظت فيها الوحدة الوطنية، كما الاقتصاد، آخر الأنفاس. أنتج ذلك النصر واحدا من أعمق الجراح الوطنية حتى الآن: القضية الجنوبية.

 

أتيحت فرصة جديدة أمام الرئيس صالح لإعادة البناء وللتدبر في أربعة عقود من الصراع. لكنه لم يكن الرجل الذي يتدبر في الماضي، ولم يكن بالقائد الذي يعرف من أين تبنى البلدان.

 

كشف خطاب خطير، بتاريخ 1 يوليو، 1995، أرسله السياسي اليمني يحيى المتوكل إلى السياسي والشيخ القبلي مجاهد أبو شوارب تفاصيل اللعبة التالية للرئيس صالح. بحسب الخطاب فقد طلب صالح من المتوكل تأسيس تشكيل عسكري "زيدي" تكون مهمته مواجهة الوهابية في اليمن.

 

بحسب الخطاب فإن ذلك التشكيل سيحظى "بدعم كبير وغير محدود، وتسليح مفتوح يمكن هذه الجماعة من التفوق على الآخرين". ينهي المتوكل خطابه باعتراضه على الفكرة قائلا "لا أستطيع أن أخون ثورة 26 سبتمبر التي أعتبر نفسي أحد رموزها، وأسأل الله أن يجنب اليمن المزيد من الحروب والأزمات".

 

ما تخوف منه المتوكل، بخبرته العسكرية والسياسية، حدث: المزيد من الحروب والأزمات. رأى في فكرة صالح خيانة لثورة 26 سبتمبر، وهو ما سيصبح واقعا بعد عشرين عاما من ذلك الخطاب، وسيخون صالح الثورة والجمهورية بعد أن خان كل رفاقه وشركائه واحدا تلو الآخر.

 

من المثير هنا الإشارة إلى أن صالح دشن تلك اللعبة الخطرة بعد عام واحد فقط من فراغه من حرب "صيف 1994".

 

المشروع الذي أسر به صالح إلى المتوكل في العام 1995 صار حقيقة عملية، وتأسست تلك الجماعة ذات الدعم الكبير وغير المحدود، وهي الآن تحكم شمال اليمن.

 

لاعبها صالح مرارا، استخدمها وحاول توجيه معاركها، أرادها بندقية يقضي بها على شركائه وخصومه، معتقدا أن بمقدوره السيطرة على لعبة خطرة كتلك. أتت اللعبة تلك على أرواح عشرات الآلاف وعلى السلم الأهلي، كما أنهكت الجيش ودمرت روحه القتالية.

 

في العام 2009 انتهت الحرب السادسة بين الجيش اليمني وجماعة الحوثي. كانت جماعة الحوثي قد بلغ حجمها أضعاف ما كانت عليه في الحرب الأولى، 2004. وفي أجواء اللااستقرار التي خلقها الربيع العربي اجتاحت جماعة الحوثي، ذات الجاهزية والخبرة، القرى والبلدان، ثم المدن والحواضر. وجد فيها صالح، الذي تخلى عن السلطة في العام 2012 تحت ضغط المظاهرات، مرة أخرى وسيلة للانتقام.

 

انضمت تشكيلات عسكرية وقبلية واسعة، موالية صالح، إلى الحشود العسكرية الحوثية واجتاحت العاصمة. كاد الرئيس هادي، الذي وضع تحت الإقامة الإجبارية، أن يكون الرئيس اليمني القتيل رقم 5، لولا الظروف. عوضا عن ذلك أخذ علي عبدالله صالح نفسه الرقم 5 في العام 2017.

 

بين سقوط صنعاء في العام 2014 في قبضة الحوثيين والآن أكثر من عقد من الزمن، هو عقد التفكك والزلزلة الكبرى. فيه قتل الرئيس صالح وحدثت عاصفة الحزم، وهجر ملايين اليمنيين ومات مئات الآلاف، كما نشأت كيانات انفصالية، واختفى اليمن من الخارطة الجغرافية للعالم.

 

في هذا العقد خاضت بريطانيا وأمريكا وإسرائيل حربا ضد جماعة الحوثي، واشتبكت الإمارات والسعودية، الخليج وإيران، إيران وإسرائيل، وأطراف أخرى على الأراضي اليمنية.

 

كما فقد اليمن جزره وشواطئه واستقلاله، وانتشرت في مدنه فرق اغتيالات عابرة للحدود، وأسست إيران بنية عسكرية تحتية عملاقة، وعاد أبناء صالح وخلقوا دويلة على البحر لا يعرف لها أحد هوية.

 

انتهى العام 2025 بحرب خاطفة بين القوات الشرعية التي تدعمها السعودية وتشكيلات عسكرية تدعمها الإمارات، انتهت بانتصار الأولى وخروج الإمارات من الأراضي اليمنية. باتت البلاد مجددا على أعتاب حقبة جديدة، مفتوحة على كل الاحتمالات.

 

الآن تبدو أجواء فرصة جديدة لإعادة البناء بعد سبعة عقود من الأزمات والحروب، كبر خلالها الشعب اليمني وتجاوز الأربعين مليونا، بمعدل نمو يداني 4% سنويا. لا يمكن، أمام هذه الحقيقة الديمغرافية، سوى البحث عن سبيل للخروج الآمن والمستدام، وإسدال الستار على ندوب الماضي.

 

أما أخطر ما يمكن أن يحدث في السنوات العشر القادمة، فهو ممارسة لعبة جديدة في أرض يسكنها 40 مليون نسمة.