مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تعود أزمة ارتفاع الأسعار لتفرض نفسها بقوة على الشارع المصري، في مشهد يتكرر سنويًا دون حلول جذرية.
وبينما تتحدث حكومة عبدالفتاح وممثلو الغرف التجارية عن مبادرات لتثبيت الأسعار وضمان توافر السلع الأساسية، يعيش المواطن واقعًا مختلفًا، عنوانه القلق من موجة غلاء جديدة تضرب موائد الإفطار، وتستنزف ما تبقى من دخول الأسر، خاصة محدودة ومتوسطة الدخل.
تصريحات حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، حول تثبيت أسعار السلع الأساسية خلال الأسبوعين الأولين من شهر رمضان، فجّرت موجة واسعة من الجدل، ليس فقط بين خبراء الاقتصاد، بل أيضًا بين المواطنين الذين باتوا يشككون في جدوى مثل هذه المبادرات، ويعتبرونها مجرد مسكنات إعلامية لا تصمد أمام جشع السوق.
مبادرة التثبيت… وطمأنة لا تطمئن
في تصريحات تلفزيونية لقناة «الشمس»، أكد المنوفي أن المبادرة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين في ظل الزيادة الموسمية في الطلب خلال شهر رمضان، مشددًا على عدم وجود أي نقص في السلع الاستراتيجية مثل السكر، والأرز، والزيت، والمكرونة، والبقوليات، إلى جانب الدواجن واللحوم، كما أوضح أن غالبية التجار يشاركون في المبادرة بشكل طوعي، دون إلزام قانوني.
ورغم نبرة الطمأنة في هذه التصريحات، إلا أن الشارع استقبلها بحذر شديد، خاصة أن الحديث يدور عن تثبيت مؤقت للأسعار لا يتجاوز أسبوعين، ما يثير تساؤلات مشروعة حول ما سيحدث بعد انقضاء هذه الفترة، في ظل غياب أدوات رقابية حقيقية تضمن استمرار الاستقرار السعري.
مبادرة غير ملزمة… جرس إنذار مبكر
يرى خبراء اقتصاد أن جوهر الأزمة لا يكمن في توافر السلع، بل في غياب السيطرة الفعلية على الأسواق.
ويؤكد الدكتور علاء مرسي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن الاعتماد على “حسن نية” التجار يعكس ضعفًا واضحًا في منظومة الرقابة الحكومية.
وفي تصريحات صحفية، أوضح مرسي أن ترك السوق لإرادة التجار، دون ضوابط أو التزامات قانونية، يفتح الباب واسعًا أمام زيادات مفاجئة في الأسعار، خاصة في المواسم التي يرتفع فيها الطلب مثل شهر رمضان.
وأضاف أن المواطن هو الطرف الأضعف في هذه المعادلة، حيث يجد نفسه مجبرًا على الشراء بأسعار لا تتناسب مع دخله، في ظل ثبات الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشار مرسي إلى أن غياب آليات المتابعة اليومية للأسعار، وعدم وجود عقوبات رادعة، يخلق فجوة حقيقية بين الأسعار المعلنة رسميًا وما يدفعه المواطن فعليًا في الأسواق الشعبية والريفية، لا سيما في المحافظات البعيدة عن العاصمة.
بين الإعلان والواقع… تضارب مستمر
من جانبه، يرى الدكتور محمد حلمي، الباحث في شؤون الأسواق، أن المبادرات الرمضانية غالبًا ما تكون “شكلية” أكثر منها حقيقية.
ويؤكد أن الدولة تكتفي بإطلاق تصريحات وإعلانات حول تثبيت الأسعار، بينما يظل الواقع خاضعًا لقانون العرض والطلب دون تدخل حاسم.
ويقول حلمي إن ما يحدث سنويًا هو تضخم تدريجي للأسعار قبل رمضان، ثم تثبيت شكلي لفترة محدودة، يعقبه انفجار سعري غير معلن، يدفع ثمنه المواطن وحده.
وأضاف أن التوسع في إقامة معارض مثل «أهلا رمضان» أو زيادة عدد المنافذ الحكومية لا يكفي وحده لضبط السوق، ما لم يصاحبه تشديد رقابي صارم على حلقات التوريد، من التاجر الكبير إلى بائع التجزئة.
وحذر حلمي من أن غياب التنسيق بين الجهات الرقابية المختلفة يسمح بتلاعب واسع في الأسعار، ويحوّل المبادرات الحكومية إلى مجرد واجهة إعلامية لا تعكس واقع الأسواق.
المواطن يدفع الثمن
في جولة سريعة داخل عدد من المحافظات، يشكو مواطنون من ارتفاع أسعار السلع الأساسية بالفعل قبل حلول شهر رمضان، مؤكدين أن الأسعار تختلف من منطقة إلى أخرى بشكل غير مبرر، وأن بعض التجار يستبقون الموسم الرمضاني بزيادات غير معلنة.
وتقول سيدة من محافظة القليوبية إن أسعار الزيت والسكر ارتفعت أكثر من مرة خلال أسابيع قليلة، دون أي تدخل واضح من الجهات الرقابية، بينما يشير مواطن من الصعيد إلى أن الأسعار في القرى أعلى من المدن، بسبب ضعف الرقابة واحتكار بعض التجار للسلع.
دعوات لإصلاح جذري للرقابة السوقية
في المقابل، يشدد خبراء التنمية الاقتصادية على أن الأزمة تتطلب إصلاحًا جذريًا في منظومة الرقابة، لا الاكتفاء بالمبادرات المؤقتة.
وتؤكد الدكتورة منى عبد الله، خبيرة التنمية الاقتصادية، أن ضبط الأسعار لا يتحقق بالتصريحات، بل بآليات واضحة تشمل متابعة المخزون الاستراتيجي، ومراجعة الأسعار بشكل أسبوعي، وفرض عقوبات صارمة على المخالفين.
وتضيف أن حماية المواطن يجب أن تكون أولوية حقيقية، لا شعارًا موسميًا، محذرة من أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن، وزيادة معدلات الفقر، واتساع الفجوة بين الدخول والأسعار.

